كتب التفسير

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

 

يعتبر كتاب " المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" للقاضي أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (546هـ) من أشهر كتب التفسير بالمأثور التي كان لها شأن عظيم، ومن ثم تناقله العلماء، وانتشر في كل مكان، وطار في الغرب والشرق كل مطار .

وضع‎ ‎ابن عطية‎ ‎ - ‎منذ البداية - منهجاً كاملاً في التفسير، رسم من خلاله طريقاً واضحة المعالم،‏‎ ‎حاول ‏الالتزام به ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، بيد أن ميزة‎ ‎ابن عطية‎ ‎لم‎ تقف عند حد وضع منهج كامل ‏لـ «تفسيره» فحسب، بل سار شوطاً أبعد من‎ ‎ذلك؛ إذ رسم للمفسرين من بعده طريقة مثلى، ومنهجية ‏واضحة المعالم، حين جعل‎ ‎من التفسير علماً يستند إلى قواعد ومبادئ قائمة على الدقة والاستقصاء‎ ‎والترتيب.

وقبل الخوض في استبيان معالم هذا المنهج التفسيري نقف بإيجاز عند ترجمة هذا الإمام المفسر -رحمه الله تعالى-: هو أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية المغربي الغرناطي المالكي ولد سنة 481هـ، ونشأ في بيت علم وفضل، فأبوه أبو بكر بن غالب بن عطية، إمام حافظ وعالم جليل، أخذ العلم عن كبار علماء الأندلس الذين تكونت على أيديهم شخصيته العلمية، ونمت ملكاته ومواهبه. وفي مقدمة شيوخه والده الحافظ أبو بكر غالب بن عبد الرحمن (518هـ)، والحافظ الحسين بن محمد بن أحمد أبو علي الغساني (498هـ)، والفقيه أبو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عتاب القرطبي (520هـ)، وغيرهم. أخذ عنه العلم خلق كثير منهم: الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن خير بن عمر الإشبيلي(575هـ)، والإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الأنصاري(584هـ) وغيرهما،  تولى مهمة القضاء بألمرية على عهد الدولة المرابطية، برع في علوم متعددة كالقراءات واللغة والتفسير، ومن مصنفاته التي ساهم بها في إثراء المكتبة الإسلامية كتابه القيم في علم التفسير والمسمى "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" وهو أشهر كتب التفسير حتى أن أهل العلم أجمعوا على أنه غاية في الصحة والدقة والتحرير؛ وقد وصفه أبو حيان فقال: " أجلُّ مَن صنَّف في التفسير، وأفضل من تعرض فيه للتنقيح والتحرير". وقال عنه ابن تيمية: " تفسير ابن عطية خير من تفسير الزمخشري ، وأصح نقلاً وبحثًا، وأبعد عن البدع، وإن اشتمل على بعضها، بل هو خير منه بكثير، بل لعلّه أرجح هذه التفاسير، لكن تفسير ابن جرير أصح من هذه كلها...".

جمع الإمام ابن عطية مادة تفسيره من كُتب التفاسير التي تقدمته، كتفسير الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (310هـ) والمسمى "جامع البيان في تفسير القرآن"، وتفسير الإمام أبو بكر محمد بن الحسن النقاش (351هـ) والمسمى "شفاء الصدور"، وتفسير الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي القيرواني (437هـ) والمسمى " الهداية إلى بلوغ النهاية"، وأما كتب القراءات فنجد كتاب الحجة لأبي علي الفارسي (377هـ)، وكتاب "المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها" لأبي الفتح عثمان بن جني (392هـ)، بالإضافة إلى مؤلفات الإمام أبي عمرو عثمان ين سعيد الداني (444هـ) مثل "كتاب التيسير"، و"كتاب جامع البيان في القراءات السبع" وغيرهما، إلى جانب هذه المصادر الكثيرة والمختلفة نجده اعتمد كذلك على كتب الحديث واللغة والفقه والتاريخ – والتي لا يتسع المقام لذكرها- وقد تحرَّى الإمام ابن عطية أن يُودِع في تفسيره كل ما هو أقرب إلى الصحة وألصق بالسنة؛ فأحسن فيه وأجاد، وأبدع فيه وأفاد، فجاء تفسيراً جامعاً لكل شيء دون أن يطغى فيه جانب على جانب.

إن أول ما نلاحظه عند مطالعة تفسير الإمام ابن عطية أنه جمع بين المأثور والرأي الذي يقوم على قوانين العلم والنظر السديد، وقد تجلت عناية الإمام ابن عطية بالمأثور فيما ذكره في تفسيره من الأحاديث النبوية وأقوال الصحابة والتابعين، ولكنه لا يلتزم بتخريج الأحاديث النبوية ونسبتها إلى مصادرها، -في كثير من الأحيان- فيقول مثلا: وفي الحديث كذا، أو روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: كذا، وهو أمر يؤخذ عليه، وينتقد تفسيره بسببه كالحديث الذي أورده عند تفسيره لآية الكرسي، روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى على المنبر قال:« وقع في نفس موسى هل ينام الله جل ثناؤه؟..» وهو حديث منكر [سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: 1034]، أما ما ورد عن الصحابة والتابعين في تفسير القرآن الكريم، فقد عني الإمام ابن عطية بنقل كثير من أقوالهم آرائهم، وكان من أبرز الصحابة الذين نقل عنهم: عبد الله بن عباس، وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، كما كان على رأس التابعين الذين اهتم بتلخيص أقوالهم، وتوجيه آرائهم في التفسير: الحسن بن أبي الحسن البصري، وجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير وغيرهم، كما قلل الإمام ابن عطية من الاستشهاد بالإسرائليات وروايتها، وتتناولها بالنقد والتمحيص،  فأكد في مقدمة تفسيره أنه لا يذكر منها إلا ما لا تنفك الآية إلا به. ولذلك نجده يختصر من ذكر الروايات الإسرائلية فمثلا عند تفسيره لقوله سبحانه: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 63] يقول بعد أن أورد القصص: "والذي لا يصح سواه أن الله تعالى اخترع وقت سجودهم الإيمان في قلوبهم، لأنهم آمنوا كرها وقلوبهم غير مطمئنة، وقد اختصرت ما سرد في قصص هذه الآية، وقصدت أصحه الذي تقتضيه ألفاظ الآية، وخلط بعض الناس صعقة هذه القصة بصعقة السبعين." [ المحرر الوجيز: 159/1].

أما منهجه في اللغة والنحو فكان بيان معاني المفردات وإعراب الكلمات وتصريف المشتقات، فعني عناية كاملة بتحديد معاني المفردات معتمدا على الشواهد الشعرية، كما أكثر من ذكر الوجوه الإعرابية في الآية، وبيان المذاهب النحوية مرجحا بعضها أحيانا، ومنتقدا لبعضها أحيانا أخرى، ولم يُعنَ الإمام ابن عطية كثيرا بالحديث عن الأسرار البلاغية والنكات البلاغية، ووجوه الإعجاز البياني، والسّر في ذلك كما أشار الدكتور عبد الوهاب فايد (1418هـ) أن الإمام ابن عطية كغيره من الأندلسين والمغاربة لم يشغل نفسه كثيرا في علوم البلاغة والبيان، ولم يعكف على دراستها والتعمق في مسائلها يضاف إلى ذلك أن الإمام ابن عطية ضيق دائرة المجاز في القرآن الكريم، حيث كان يرى أنه لا مجاز فيما تتأتى فيه الحقيقة، ومن المعلوم أن المجاز بأقسامه من أهم الفصول في الدراسات البلاغية، ورغم ذلك لم يخل تفسيره من صور بيانية وبلاغية ذكرها ككلامه على التشبيه والاستعارة والمجاز والإيجاز وغيرها. يقول عند تفسيره لقوله سبحانه: ﴿ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: 143] «وظاهر التشبيه أنه بالمتقهقر، وهي مشية الحيوان الفازع من شيء قد قرب منه، ويحتمل أن يكون هذا التشبيه بالذي رد ظهره ومشى أدراجه » [ المحرر الوجيز: 220/1].

كما نجد الإمام ابن عطية  في القراءات القرآنية قد التزم بذكر القراءات الصحيحة والشاذة مبينا ما تحتمله هذه القراءات من المعاني والدلالات قصد إظهارا إعجاز القرآن من جهة، ومحاولا الوقوف عل المعاني التي تحملها الألفاظ، وموجها لبعضها من جهة ثانية، فمثلا يقول: عند تفسيره لقوله سبحانه: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 40]. قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي (ويثبّت) بشد الباء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم (ويثبت) بتخفيفها. وتخبط الناس في معنى هذه الألفاظ، والذي يتلخص به مشكلها: أن نعتقد أن الأشياء التي قدرها الله تعالى في الأزل وعلمها بحال ما لا يصح فيها محو ولا تبديل، وهي التي ثبتت  في أم الكتاب وسبق بها القضاء» [ المحرر الوجيز:317/3] .

أما منهجه في عرض الأحكام الفقهية فقد كان الإمام ابن عطية من أئمة المالكية، وفقيها من كبار فقهائهم. وذكر في تفسيره أقولا متعددة لعلماء المالكية في مسائل فقهية مختلفة، فمثلا عند تفسيره لقوله سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور:4]. يقول:« ... واختلف فقهاء المالكيين متى تسقط شهادة القاذف، فقال ابن الماجشون بنفس قذفه، وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون لا تسقط حتى يجلد فإن منع من جلده مانع شهادته» [ المحرر الوجيز: 156/4]، كما أنه لم يكن متعصباً لمالكيته، بحيث اتسع تفسيره لعرض المذاهب الفقهية المختلفة وآراء الفقهاء جميعا، إلا أننا نجد الإمام ابن عطية –أحيانا- يثني على مذهب الإمام مالك أو يرجحه دون أن يغض من شأن المذاهب الفقهية الأخرى، وبهذا سلك مسلكا يقوم على التحرر في الرأي والدقة في النقل واليسر مع الدليل، كما كان يشير بهذا إلى أن الآية محتملة لجميع هذه الأقوال وأنها لا تشهد لقول دون قول وموقف الإمام ابن عطية -في هذا مناسب لطبيعة عمله كمفسر لا كفقيه.

وختاما نخلص إلى أن الكشف عن القيمة العلمية لأي تفسير -في الحقيقة-  جانب من أهم جوانب دراسته ولعلني تمكنت من تسليط الضوء على بعض من الجوانب العلمية التي ميزت هذا التفسير القيم وجعلته يحظى بمكانة مرموقة في مجال الدراسات القرآنية سواء في الغرب أو الشرق.

العنوان

  المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

المؤلف

  أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت546هـ)

تحقيق

  عبد السلام عبد الشافي محمد

دار النشر وسنة الطبع

  دار الكتب العلمية، ط2/1428هـ-2008م

ثناء العلماء على المؤلف

  قال الإمام الذهبي في السير: الإمام العلامة شيخ المفسرين كان إماما في الفقه   وفي التفسير، وفي العربية قوي المشاركة، ذكيا فطنا مدركا من أوعية العلم.

 قال ابن الزبير في بغية الوعاة: كان فقيها جليلا عارفا بالأحكام والحديث والتفسير، نحويا لغويا أديبا، بارعا شاعرا مفيدا، ضابطا سنيا فاضلا من بيت علم وجلالة. 

 إنجاز: رضوان غزالي

مركز الدراسات القرآنية



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تفسير الفاتحة الكبير المسمى بـ «البحر المديد»

تفسير الفاتحة الكبير المسمى بـ «البحر المديد»

نضع بين يدي القارئ الكريم، تفسيرا جليلا، جمع علوما وأسرارا، قلّ من العلماء من أبرزها وأظهرها، لسورة هي أم القرآن، فاتحة الكتاب، والسبع المثاني، التي نزل بها القرآن العظيم على قلب سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.

تفسير ابن خويز منداد

تفسير ابن خويز منداد

كتاب "تفسير ابن خويز منداد" أو "أحكام القرآن" كما سماه أغلب المترجمين للإمام ابن خويز منداد، جمع فيه الدكتور عبد القادر محجوبي جهد العالم الفذ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن إسحاق البصري المالكي، وإسهاماته في جانب التفسير، وقد اعتمد في جمعه وتوثيقه ...

الهداية إلى بلوغ النهاية

الهداية إلى بلوغ النهاية

تفسير "الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره وأحكامه وجمل من فنون علومه" لصاحبه مكي بن أبي طالب القيسي (ت437هـ)، تفسير نفيس، من درر التراث التفسيري الأندلسي، جُمع فيه من صنوف العلوم،  وصاحبه إمام حجة شهد له بذلك أهل المشرق والمغرب.