قراءات

الفوز الكبير في أصول التفسير
الفوز الكبير في أصول التفسير

 

يُعد كتاب الفوز الكبير في أصول التفسير أحد كتب الخزانة الإسلامية التي تعنى بالشأن الديني وعلومه، فالكتاب في حجمه المتوسط يضم ثلة من القواعد التفسيرية التي اعتمدها علماء التفسير المتقدمين والمتأخرين بشكل مختصر موجز مركز بالأساس على الأهم منها، ذاكرا في بعض الأحيان الفروق الحاصلة لدى كل من الجيلين من العلماء –المتقدمين والمتأخرين- مع إيراده لشواهد  كل قاعدة على حدة لتتضح وتتبين معالم تلك القاعدة وفروعها وأصنافها وصورها وتوظيفاتها. وللتذكير فالكتاب في أصله صدر باللغة الفارسية إلى أن ترجم إلى العربية للمرة الأولى على يد "الشيخ محمد منير الدمشقي"، فكانت تلك الترجمة تفتقر إلى جمالية الأسلوب حسب رأي سليمان الندوي حيث قال: (... فيما قرأت من المقررات الدراسية قراءة طالب يقرأ أول كتاب في أصول التفسير، وأعجبتني تلك المعاني التي اشتمل عليها ولم يعجبني الأسلوب الذي عرضت فيه....فرأيت بوضوح  أكثر أن الترجمة قاصرة، وأن الأسلوب لا يساير العصر، وأن المترجم جزاه الله تعالى خيرا لم يستطع أن يفي بالغرض) إلى أن قال (وقد صحت عزيمتي على أن أترجم الكتاب وأقسمه في فقرات مناسبة، وأضع له العناوين الجانبية التي تكشف عن العشرات من الفوائد...).

فعمل على تصدير الكتاب بترجمة لمؤلفه الإمام ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي، ذاكرا فيها اسمه ونسبه الذي يتصل بالإمام موسى الكاظم، ووالده الشيخ عبد الرحيم، وولادته ودراسته التي تنوعت وتشعبت من علوم التفسير والحديث وعلومه، وعلم الفقه وأصوله والمنطق والتصوف والطب والحكمة، واختلافه إلى إمام الحديث في زمانه الشيخ محمد أفضل السيالكوتي، عارضا بعض من مناقبه وفضائله وثناء العلماء الأجلة عليه، مُعدّدًا المشتهر من مصنفاته الكثيرة الدالة على سعة نظره وغزارة علمه وإتقانه لمختلف الفنون، إلى أن ختم ترجمته بذكر وفاته رحمة الله عليه ظهيرة يوم السبت شهر الله الحرام سنة 1176هـ بمدينة دلهي، فدفن عند قبر والده خارج البلدة وله 62سنة.

تلي هذه المقدمة للمترجم مقدمة الكتاب لصاحبه الإمام الدهلوي الذي يقول فيها رحمه الله (... وأرجو أن مجرد فهم هذه القواعد يفتح للطلاب طريقا واسعا إلى فهم معاني كتاب الله تعالى، وأنهم لو قضوا أعمارهم في مطالعة كتب التفسير أو قراءتها على المفسرين، على أنهم أقل قليل في هذا الزمان لا يظفرون بهذه القواعد والأصول بهذا الضبط والتناسق) انتهى.

 فالكتاب يضم بين صفحاته خمسة أبواب، وكل باب مقسم إلى فصول حسب مباحث كل باب، يأتي الباب الأول بالحديث في العلوم الخمسة التي يدل عليها القرآن الكريم نصًّا، وهو مقسم إلى فصلين اثنين، والباب الثاني في بيان وجود الدقة والخفاء في معاني نظم القرآن الكريم وهو في خمسة فصول، الباب الثالث في أسلوب القرآن البديع وهو مفصل كذلك إلى خمسة فصول، وأخيرا الباب الرابع وهو في بيان فنون التفسير، وحل الخلافات الواقعة في تفاسير الصحابة والتابعين، جيء ضمن ستة فصول.
الباب الأول : العلوم الخمسة الأساسية التي يشتمل عليها القرآن:

1- علم الأحكام: كالواجبات والمندوب والمباح والمكروه والحرام أي بما تسمى عند الأصوليين بأقسام الحكم الشرعي سواء أكانت في جانب المعاملات أو العبادات، أو الاجتماع أو السياسة المدنية، ويعود الاختصاص فيها إلى الفقيه.

 2- علم الجدل: وهي المحاجة مع الفرق الأربع الباطلة (اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين) ويرجع شرحه وتفريعه إلى المتكلم.

3- علم التذكير بآلاء الله : كبيان خلق السماوات والأرض وبيان الصفات الإلهية.

4- علم التذكير بأيام الله : وهو بيان الوقائع والأحداث التي أحدثها الله تعالى إنعاما على المطيعين ونكالا بالمجرمين لتكون لنا نحن العبرة. 

5- علم التذكير بالموت وما بعد الموت:  الحشر والنشر والحساب والميزان والجنة والنار أو ما يسمى بالنبأ العظيم.بعدها أظهر أسلوب القرآن الكريم البديع في عرض تلك العلوم الخمسة، مع ذكره لحقيقة أسباب النزول مصححا نظرة عامة المفسرين بربطهم كل آية من آيات الأحكام وآيات المخاصمة بقصة تروى في سبب نزوله، ظانّين أنها هي سبب النزول بقوله:( ... والحق أن نزول القرآن الكريم إنما كان لتهذيب النفوس الإنسانية، وإزالة العقائد الباطلة، والأعمال الفاسدة )الفصل الأول : في علم الجدل ذكر فيه طريقان للجدل في القرآن الكريم - الأول: ذكر العقيدة الباطلة والتنصيص على شناعتها واستنكارها - الثاني: تحديد الشبهات التي وقعت فيها الفرق الباطلة وإفحامها بالبراهين والأدلة.مع ذكره لمفهوم الحنيفية أي حنيفية إبراهيم عليه السلام، ومراحل تشكل ونُتُوج الشرك وحقيقته ومظاهره وأنواعه، وتبيانه معنى التشبيه وصوره قائلا (والتشبيه عبارة عن إثبات الصفات البشرية أو أي صفة من صفات المخلوقين لله تعالى) ووقعوهم في التجسيم ...، تنزّه الله عن ذلك وتعالى عما يصفون علوا كبيرا.ومنشأ التحريف ومظاهره الطارئ مع عمرو بن لحي لعنه الله، الذي هو أول من أدخل الوثنية لجزيرة العرب فوضع لهم الأصنام، وشرّع لهم عبادتها وابتدع البحيرة والسائبة والحام، والإستقسام بالأزلام، وذلك قبل البعثة بقرابة ثلاث مئة سنة ... إلى أن اقتضت حكمة الله ورحمته بخلقه أن بعث فيهم نبيه سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه، وأمره بإقامة الدين ودحض شبه المشركين وأباطيلهم، والرد عليهم بالحجة والبيان الثابت القويم لقوله تعالى: (وجاهدهم به جهادا كبيرا) [سورة الفرقان آية 52].

فكان من صنف الجدل القرآني الجدل مع المشركين واليهود والنصارى والمنافقين.نذكر إن شاء الله تعالى بإيجاز كل صنف على حدة:

الجدال مع المشركين: رد الله على المشركين بشتى السبل، أولا مطالبته بالدليل على ما يزعمون، ونقض تمسكهم بتقليد آبائهم، إثباته أن لا سواء بين الرب والعباد وأن الرب تعالى مستحق أقصى غاية التعظيم والتأليه، وإفراده بالعبودية وأنه لا معبود بحق إلا هو سبحانه، بيان إجماع الأنبياء والمرسلين على هذه الحقيقة حقيقة دين التوحيد، بيان شناعة عبادة الأوثان وأشباهها...

الجدال مع اليهود: هم أهل كتاب ضلوا بتحريفاتهم لأحكام التوراة وكتمان ما فيها من الحق وإلحاق ما ليس منها بها، جحدوا أشد الجحود برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأساءوا الأدب معه بل ومع الله عز وجل، فهم قوم مكر وخديعة، وقوم بهتٌ كما وصفهم من كان منهم وأسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، جرت الرذيلة في أخلاقهم عادة ألفوها.

أنواع ضلال اليهود: فضح الله أمرهم في قرآنه الحكيم في سورة البقرة التي سميت بالفاضحة لهم، فثبت تحريفهم اللفظي والمعنوي للتوراة وكتمان الآيات، والإلحاق والافتراء والتأويل الباطل، إلى أن قال ( وعلى كل، فإنك إذا أردت أن ترى نماذج اليهود في هذه الأمة فانظر إلى علماء السوء، طلاّب الدنيا، المولعين بتقليد آبائهم، المعرضين عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الذين يستندون إلى تعمقات العلماء وتشديداتهم، واستنباطاتهم التي لا أصل لها في الكتاب والسنة، تاركين كلام الشارع المعصوم صلى الله عليه وسلم، يتتبعون الأحاديث الموضوعة، ويجرون وراء التأويلات الفاسدة) انتهى.

 وهذا يتناسب مع القول الآتي: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى».

 الجدل القرآني مع النصارى: ضلال النصارى تجلى في غلوهم وتأليههم لسيدنا عيسى عليه السلام حيث قال : ( قسّموا الرب تبارك وتعالى إلى ثلاثة أجزاء تتغاير من بعض الوجوه وتتّحد من بعض آخر، وكانوا يسمونها "الأقانيم الثلاثة" أحدها الأب والثاني الابن والثالث : أقنوم روح القدس).  وكلها مزاعم هرائية وأساطيل ترّاهية  فعمل موضحا دليل عقيدتهم الفاسدة هاته في شكل أجوبة على إشكالين، كما وازن بين النصارى وبين مبتدعة المسلمين، فجاء في معرض حديثه قوله :(وإذا أردت أن ترى نموذجا لهؤلاء الضالين في قومك فانظر إلى كثير من أولاد الأولياء والمقدسين ما هي تصوراتهم عنهم واعتقادهم فيهم وإلى أي حد وصلوا بهم) ومن أباطيلهم الزائفة أيضا اعتقادهم بصلب المسيح عليه السلام، وتوارثوا هذا الزيف جيلا بعد جيل حتى كشف الله عن شبهتهم وأسقط زيفهم قائلا عز وجل: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) [سورة النساء آية 156] .

الجدال القرآني مع المنافقين: فصنف المنافقين إلى صنفين، صنف يشهد بلا إله إلا الله محمد رسول الله، لكن قلوبهم كانت مطمئنة إلى الكفر والجحود متظاهرة بالإسلام لأجل المصالح.

وصنف يوضعون في خانة النفاق العملي، يجرون على عادات قومهم ويدورون مع مصلحتهم، إن أسلم قومه أسلموا وإن كفر قومهم كفروا، استولى على قلوبهم حب الدنيا إلا أنهم لم يخلعوا عن عنقهم ربقة الإسلام.

إلى أن ختم هذا الفصل بذكره لبعض أصناف النفاق -الإعتقادي والعملي- ومتحدثا عن أن القرآن الكريم قد كشف عن أحوال المنافقين حتى تكون الأمة على بينة وحذر، مع إيفائه أن لا فرق بين منافقي الزمن الأول في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم ومنافقي هذا الزمان الذي يطلعون على أحكام الشريعة بالوسائط اليقينية القاطعة ثم يخالفونها وينحرفون عنها.

مختتما بالقول بأن القرآن الكريم كتاب كل عصر فلا ينبغي أن يظن حصره في زمان نزوله، فكل نازلة إلا ولها نماذج وأمثلة من عصر النبوة، ولهذا فالمطلوب هو استيضاح كليات ومقاصد الدين لا خصوص الحوادث والتفصيلات الجزئية.

إلى أن انتقل إلى الفصل الثاني من الباب الأول الذي جرّده وخصصه لبقية العلوم الخمسة، فاستعرض فيه أسلوب القرآن الكريم في بيان البعض من مواضيعه:

 1- كالصفات، فجاء في معرض كلامه (من المعلوم أن نزول القرآن الكريم إنما كان لإصلاح النفوس البشرية وتهذيبها سواء كانوا عربا أو عجما، بدوا أو حضر، ولذلك اقتضت الحكمة الإلهية أنه لا يخاطب الناس في التذكير بآلاء الله إلا ما تسعه معلوماتهم، وتحيط به مداركهم...).

 2- وإثبات الخالق في القرآن والصفات الإلهية وتأكيده على خطر الخوض في الصفات بدون توقيف، وكذا أسلوب القرآن في بيان آلاء الله والتذكير بأيام الله، ذاكرا حكمة هذا الأسلوب حين قال: (... والحكمة والمصلحة المرعية في ذكر القصص المشهور، والاكتفاء بالأجزاء المهمة من القصة، والتحاشي عن غرائب القصص والتفاصيل الجزئية، هي أن العامة من الناس عندما يسمعون حكاية غريبة أو قصة عجيبة أو قصة كاملة بجميع خصوصياتها وفصولها، فإن طباعهم تميل إلى نفس القصة وتولع بها ويفوت الغرض الأساسي- وهو التذكير- من بيان القصة الذي يهدف إليه القرآن الكريم) انتهى.

كما عمل على إبراز ظاهرة التكرار في القصص القرآني جاردا إيّاها، وكذا القصص التي لم تتكرر كثيرا، يليها أشار بإيجاز بأن القرآن أجمل والسنة فصلت وبينت، وهذا فيه ردّ على ما يسمون بالقرآنيين، مع إفراده لقسم خاص من الأحكام في القرآن و كشفه لبعض صور التشريع الواردة فيه، إلى حين انتقاله إلى الباب الثاني من كتابه القيم الذي قدمه مبينا أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وموقف الشارع من المتشابهات حيث قال : (وقد كان من ما يرضي الشارع الحكيم عدم الخوض في تأويل المتشابهات القرآنية وتصوير حقائق الصفات الإلهية، وتسمية المبهمين، واستقصاء القصص والوقائع وأمثال ذلك من الأمور، ولذلك قلّ سؤال الصحابة رضي الله عنهم للرسول صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك...) كما أوضح الغاية و الحاجة إلى البحث في اللغة والنحو ولاسيما بعد أن اختلط العرب بالعجم ومضي الرعيل الأول، ودمور تلك اللغة الأصيلة الأولى حتى استعصي فهم المطالب والمعاني في بعض المواضيع، مستوضحا أسباب وعورة فهم المراد من الكلام. فصدّر هذا الباب بفصله الأول تحت عنوان : بحث في غريب القرآن، مقدما أفضل شروحه وهو ما أُثر وصح عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، موردا طرق الرواية. يليه مباشرة  في الفصل الثاني الذي أفرده لمبحث الناسخ والمنسوخ، فذكر معنى النسخ عند كلٍّ من المتقدمين والمتأخرين، مستطلعا قول الإمام السيوطي رحمه الله في كتابه "الإتقان" قائلا : ( وقد ذكر الشيخ جلال الدين السيوطي في كتابه الإتقان في هذا الباب ببسط وتفصيل حسبما يليق بالموضوع – الآيات المنسوخة حسب رأي المتأخرين موافقا للشيخ ابن العربي، وعددها قرابة عشرين آية وللمؤلف في أكثرها نظر). فشرع في تعدادها ذاكرا الآية وناسختها، إلى أن قال في نهاية هذا الفصل (قال الإمام السيوطي موافقا لابن العربي : فهذه إحدى وعشرين آية منسوخة على خلاف في بعضها، ولا يصح دعوى النسخ في غيرها والأصح في آية الاستئذان والقسمة، الإحكام وعدم النسخ، فصارت تسعة عشر). فقال المؤلف: (قلت: وبما حررته لا يتعين النسخ إلا في خمس آيات).

وفي الفصل الموالي الفصل الثالث تحدث فيه عن قضية أسباب النزول، حيث أوضح فيه صعوبة هذا الموضوع من جهة اختلاف المتقدمين والمتأخرين بشأنه، وإيراد بعض المحدثين في هذا الباب أشياء كثيرة لا علاقة لها بأسباب النزول، مثل استشهاد الصحابة رضي الله عنهم بآية من الآيات في مناظرتهم، أو تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم آية من الآيات للاستشهاد على كلامه، أو رواية حديث يوافق الآية في أصل غرضها وفحواها... كل هذه –حسب قوله- ليست من أسباب النزول في شيء وليس من شروط المفسر استيعابها والإحاطة بها، محددا شروط المفسر في هذا الشأن وهي حسب رأيه شرطين هما :

1- معرفته القصص التي تتضمن الآيات الكريمة التعريض بها فإن فهم إيماء هذه الآيات وإشارتها لا يتيسر إلا بمعرفة تلك القصص.

 2- معرفة القصة التي تفيد التخصيص للعام وأمثال ذلك.مع العلم أن أكثر قصص الأنبياء السابقين من روايات أهل الكتاب لم تذكر في الأحاديث الصحيحة إلا قليلا، لذا وجب أن يتعامل معها المفسر وفق الوصية النبوية "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم".

 أسلوب القرآن في بيان الخير والشر وهو ضمن أساليب القرآن المعجزة و يكثر بين ضفتي المصحف الشريف مع التصوير لكل فريق- فريق السعادة وفريق الشقاوة- كذا عرض بعض الآيات في صورة السؤال والجواب، والتقدم والتأخر الرُّتبي، إلى أن أوضح موقفه في نهاية هذا الفصل من اعتبار معرفة جميع روايات أسباب النزول ليست من شروط المفسر واعتبارها كذلك خطأ بيّن، والاعتقاد بأن تدبر كتاب الله تعالى يتوقف على الإحاطة بها واستحضارها تفويت لحظ النفس من كتاب الله وحرمان من إدراك روحه وجوهره.

إلى أن خصص في الفصل ما قبل الأخير من هذا الباب بقية مباحث مشتملة على حذف بعض الأجزاء أو أدوات الكلام الذي يسبب الخفاء والإشكال، وإبدال شيء بشيء وتقديم ما حقه التأخير وتأخير ما حقه التقديم واستعمال المتشابهات والتعريضات والكنايات وتصوير المعنى المراد بالصورة المحسوسة التي تكون من لوازم ذلك المعنى عادة، وهو ما يسمى بالاستعارة المكنية والمجاز العقلي. ذاكرا أمثلة لكل مبحث على حدة نشير منها إلى البعض وهي كثيرة عنده جدا.

الحذف : وينقسم إلى أقسام حذف المضاف، حذف الموصوف، حذف المتعلق، حذف الجار، حذف جواب الشرط.

 الإبدال: وصوره إبدال الاسم بالاسم، وحرف بحرف، جملة بجملة، والتنكير بالتعريف، والتأنيث والتذكير والإفراد بأضدادها، إبدال الشرط والجزاء، إبدال الخطاب بالغيبة، إبدال الإخبار بالإنشاء ...

الزيادة في الكلام: أقسامها الزيادة بصفة مثل (ولا طائر يطير بجناحيه) الزيادة بإبدال (للذين استضعفوا لمن آمن منهم) الزيادة بالعطف ( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة) الزيادة بالتكرار (وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن)...التقديم والتأخير في الآيات :أحيانا تكون الآية متقدمة في النزول، لكنها متأخرة تلاوة مثل قوله تعالى (قد نرى تقلب وجهك في السماء) متقدمة نوزلا متأخرة تلاوة وقوله سبحانه (سيقول السفهاء من الناس) متأخرة نزولا متقدمة تلاوة.

الفصل الخامس وهو آخر فصول الباب الثاني، أورد من خلاله بعض أساليب القرآن العجيبة شارحا معنى كل أسلوب ومعطيا المثال له، نذكر المحكم والمتشابه والكناية والتعريض والمجاز العقلي.

الباب الثالث من كتابه جاء تحت عنوان في أسلوب القرآن البديع، استهل في فصله الأول الحديث عن نظم القرآن الكريم المحكم، المفصل الموحد في بنائيته، المتماسك الحلق والمناسبات، مستعرضا فيه أقسام السور حسب عدد الآي بها، ومستجليا أساليب مطالع السور وخواتمها بلا إغفال عن مواضيعها.

وفي فصله الثاني من الباب نفسه استبان فيه الفرق بين الآيات القرآنية والأبيات الشعرية و مبان كل منهما، وإلماحه إلى مسألة اختلاف فواصل آخر السور من أوائلها، مثل (إدًّا) (هدًّا) وخصوصيات أساليب الآيات  والسِّر فيها.

الفصل الثالث تحدث فيه عن ظاهرة التكرار في القرآن الكريم مبتدأ بسر هذا التكرار الذي يجيء كل مرة بعبارة طرية جديدة حتى يكون له وقع أكثر في النفوس وأمتع للأذهان والعقول، فلو كان التكرار مع اتحاد الألفاظ  والعبارات كما يقول، لكان شيئا من حقه أن يكرر ويردد فحسب، ولكنه مع اختلاف التعابير وتنوع الأساليب مدعاة للتفكير وخوض العقل واستجماع الخاطر.

في الفصل الرابع من هذا الباب استهله بسؤال عن الحكمة الإلهية من عدم مراعاة الترتيب في بيان مباحث القرآن الكريم ولماذا نثرت هكذا نثرا؟ ولماذا لم يبدأ مثلا ببيان آلاء الله تعلى حتى إذا استوفاها حقها شرع في بيان أيام الله فإن أتمها بدأ بالجدل مع الكفار وغيرهم؟ وجاء في إجابته أن الحكمة من ذلك هي موافقة المبعوث إليهم في اللسان وأسلوب البيان، فلو جاءهم غير ما كانوا يعهدون من طرائق البيان لشوشهم وأقلق خاطرهم ولأوقعهم في الحيرة.

وهذا فيه نظر لأن كلامه هذا قد يئول إلى أن قضية تاريخانية النص من حيث حصر إعجازية القرآن البيانية في الزمن الأول مع تناقض بارز خاصة عند ذكره وإقراره أن العرب لم تكن لديها كتاب حين نزول الوحي.

   كما تساءل لماذا لم يختر القرآن تلك الأوزان والقوافي التي تعرف لدى الشعراء وهي أحلى وألذ؟ فجاء في معرض مناقشته لهذا الأمر ما مفاده  أن اللذة هي أمر نسبي يختلف من أمة إلى أمة، ولذهبت ظنونهم إلى أنه شعر من الشعر المتداول، ولم يعيروه كبير اهتمام.ذ

في الفصل الموالي تحدث عن وجوه الإعجاز في القرآن الكريم فشمل الإعجاز الأسلوبي والإخباري والبلاغي والبياني والتشريعي.

في الباب الرابع والأخير الذي جاء تحت عنوان : في بيان فنون التفسير وحل الخلافات الواقعة في تفاسير الصحابة والتابعين، ابتدأه بأصناف المفسرين ومناهج تفسيرهم في فصله الأول الذي تحدث فيه عن أقسام المفسرين ذاكرا المحدثين الذي عمدوا إلى التفسير بالأثر سواء أكان حديثا مرفوعا أو مقطوعا أو خبرا إسرائيليا، والمتكلمين الذي تأولوا آيات الصفات وأسماء الله تعالى فصرفوها عن ظاهرها ونَأَوْ بها عن مذهب التنزيه، والفقهاء الأصوليين المستنبطين للأحكام الفقهية، والنحاة اللغويين الذين اشتغلوا ببيان لغة القرآن وإعرابه موردين الشواهد الكثيرة من كلام العرب، والقراء الماهرين المهتمين بالروايات المأثورة، والصوفية المتنسكين المعتنين ببيان لطائف علم السلوك والحقائق، وكل منهم خاض فن من الفنون وعلم من العلوم الذي يحسنه ويتقنه، مراعيا مذاهب أصحابه، ومن هنا اتسع مجال التفسير اتساعا كبيرا.

وفي الفصل الثاني أتى فيه ببيان الآثار المروية في تفاسير أصحاب الحديث من المفسرين وما يتعلق بها من مهمات، فقال: ( إن من الروايات والآثار المروية في كتب التفسير التي ألفها أصحاب الحديث من المفسرين، ما يشتمل على بيان أسباب النزول، وأسباب النزول تنقسم حسب رأيه إلى قسمين:

1- أن يقع حادث يمحص به إيمان المؤمنين ونفاق المنافقين فينزل قول الله تعالى يمدح أهل الإيمان ويذم أهل النفاق.

2- أن يكون معنى الآية مستقلا تاما بعموم صيغتها من دون الحاجة إلى معرفة تلك القصة، أو الإلمام بالحادث الذي كان سببا للنزول «والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب».

تفسير القرآن بالقرآن: فأشار إلى أن القرآن الكريم أحيانا يذكر القصة في موضع بالإجمال، وفي موضع آخر بالتفصيل، كما ضمّن فصله هذا مسألة شرح غريب القرآن وكيف تعامل معها المفسرون، حيث يعد من الأمور التي اشتمل عليها التفسير بالمأثور، فبنوها على تتبع لغة العرب أو على فهم سياق الآية، ومعرفة مناسبة اللفظ بأجزاء الجملة التي وقع فيها. وهنا كما جاء في معرض كلامه وتفصيله أن الكلمة الواحدة تأتي في لغة العرب لمعان شتى كالقرء مثلا، فتختلف العقول والأفهام والمدارك في تتبع استعمالات العرب، والتفطن إلى المناسبة مع السابق واللاحق. فذكر شرطين لابد من توفرهما في المفسر لشرح الغريب، الأول أن ينظر في استعمالات العرب حتى يعرف أي وجه من وجوهها أقوى وأرجح، والثاني أن يعمل النظر في مناسبة السابق واللاحق بعد إحكام مقدمات هذا العلم وتتبع موارد الاستعمال والفحص عن الآثار، حتى يعلم أي صورة من صورها أولى وأنسب.

فختم فصله بالحديث عن بعض الأمور التي أوردها أهل الحديث من المفسرين في تفاسيرهم كمناظرة الصحابة رضي الله عنهم في قضية من القضايا واستشهادهم بآية أو تمثيلهم لمسألة بآية من الآيات، أو تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم آية من الآيات الكريمة للاستشهاد، أو رواية حديث يوافق الآية في أصل معناها، أو طريق التلفظ والقراءة لآية أثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه رضي الله عنهم أجمعين.

لينتقل فيما بعد إلى الفصل الثالث الذي أفرده لبقية لطائف هذا الباب متحدثا فيه عن أنواع استنباط الأحكام التشريعية من الآيات القرآنية حاصرا إياها في عشرة أقسام وعاملا على الترتيب فيما بينها.

 وجاء في بعض فقرات هذا الفصل ما نقتطف من درره  قوله : "وقد وقع خلل عجيب وتدافع في نحو القرآن الكريم، وهو أن طائفة من المفسرين اختاروا مذهب سيبويه، فيؤولون كل ما خالف مذهبه مهما كان التأويل بعيدا غير مستساغ، وهذا لا يصح عندي، بل يجب الأخذ بالأولى والأوفق بالسياق سواء وافق مذهب سيبويه أو مذهب الفرّاء.

وأما غلو المتكلمين فيما يتعلق بتأويل المتشابهات، وبيان حقيقة صفات الله عز وجل فليس هذا من مذهبي، بل مذهبي مذهب مالك والثوري وابن المبارك وسائر المتقدمين، وهو إمرار المتشابهات على ظواهرها وترك الخوض في تأويلها"، إلى أن قال:" ويلزم أن يفهم القرآن الكريم عن طريق استعمالات العرب الأولين وتعبيراتهم، وأن يعتمد كليا على آثار الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ويجب على طالب علوم القرآن أن يبحث في مدلول الآية ويتمسك بما يظهر من دِلالتها سواء خالف مذهبه أو وافقه.

وأما إشارات الصوفية واعتباراتهم، فإنها في حقيقة الأمر ليست من علم التفسير، بل الواقع أنه تمر حال استماع القرآن خواطر على قلب السالك وتنكشف له أشياء تنشأ من تفكيره في النظم القرآني ....فهي أمور وجدانية ذوقية لا تفسير للآيات القرآنية".

وقد جاء في الفصل الرابع حديثه عن غريب القرآن الكريم، وغريب القرآن هو السور والآيات التي وردة فيها فضل خاص وجاء ذكرها في أحاديث شريفة بمزيد من الاهتمام وبيان الفضل، وأنواعه: غرائب التذكير بآلاء الله تعالى، غرائب التذكير بأيام الله، غرائب التذكير بالموت وما بعده، غرائب الأحكام، غرائب الجدل القرآني، ليختمه في النهاية بقوله:" وليست الغرائب القرآنية مقصورة على هذه الأبواب المذكورة، بل قد تكون الغرائب أحيانا من الوجهة البلاغية العالية، وجمال الأسلوب وأناقته".

في الفصل الخامس ما قبل الأخير ذكر فيه بأن للقرآن ظهرا وبطنا مستشهدا في ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن، ولكل حد مطلع" وأوضح معنى هذا الكلام في بقيته.

أما في الفصل السادس والأخير من هذا الباب وهو منتهى هذا الكتاب، خصّه بالحديث عن بعض العلوم الوهبية في علم التفسير كتأويل القصص موقعا الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى " ويعلمك من تأويل الأحاديث" ومستجليا المراد بالتأويل وهو أن كل قصة وقعت وورد ذكرها في القرآن الكريم كان لها مبدأ وأساس من صلاحية الرسول واستعداده، واستعداد قومه حسب تدبير الله عز وجل. 

من إنجاز: طه الراضي

مركز الدراسات القرآنية



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

القراءات الحداثية للقرآن الكريم ومناهج نقد الكتاب المقدس: دراسة تحليلية نقدية

القراءات الحداثية للقرآن الكريم ومناهج نقد الكتاب المقدس: دراسة تحليلية نقدية

صدر كتاب «القراءات الحداثية للقرآن الكريم ومناهج نقد الكتاب المقدس: دراسة تحليلية»، للدكتور يوسف الكلاَّم، ـ أستاذ مقارنة الأديان في مؤسسة دار الحديث الحسنية بالرباط، عن مجلة البيان، 1434هـ، في 95 صفحة، والكتاب يتألف من مقدمة، ومدخل، وأربعة عناوين رئيسة، ثم خاتمة.

دراسات في أصول تفسير القرآن

دراسات في أصول تفسير القرآن

«أصول التفسير» علم يدرس القواعد التي تضبط تفسير كلام الله تعالى وتعصمه من أن يكون عملا اعتباطيا خاضعا لأهواء الناس ومذاهبهم وبواعثهم الفكرية.
وسعيا من لدن بعض العلماء لتفادي المزالق التي وقع فيها المتعاملون مع القرآن الكريم فهما، وتفسيرا، واستنباطا، واستدلالا، قعدوا قواعدَ تفسيرِ كتاب الله تعالى، وأودعوها في مقدمات كتب التفسير...

مفهوم الترتيل: النظرية والمنهج

مفهوم الترتيل: النظرية والمنهج

مفهوم الترتيل في القرآن الكريم: النظرية والمنهج" (2007) للدكتور أحمد عبادي محاولة منهجية دقيقة للكشف عن مفهوم قرآني أُنُفٍ لم ينل حظه الكافي من الدراسة والتنقيب، طمرته البداهة فحجبت مدلولاته خطيرة الأبعاد، واسعة المهاد...