ينبوع الحكمة

وإنك لعلى خلق عظيم (1)
وإنك لعلى خلق عظيم (1)

 

د. محمد المنتار
رئيس مركز الدراسات القرآنية

 

من حكمة الله سبحانه أن أرسل لعباده (رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [الجمعة 2] مزكيا للنفوس، ومبينا كيفيات تنزيل القرآن على الواقع، وتقويم سلوك البشرية به. بعثه عز وجل أسوة حسنة؛ يجسّد المبادئ والقيم، ويقدم المثال الأنموذج، الذي به يُناط البيان، بالقول والفعل والتقرير حتى يغدو وحدة قياسية لأمته وللعالمين. وإذا تحققت الأمة بهذا المفهوم، فإنها بدورها تصبح وحدة قياسية على الصعيد الاجتماعي والحضاري تحقيقا لقوله تعالى: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة 142].

وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم شديد الحرص على هداية كل الناس بدون تمييز وإخراجهم من الظلمات إلى النور حتى أشفق عليه المولى سبحانه وهدَّأ روعه من الحالة التي هو عليها فخاطبه بقوله تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [الشعراء 3]، وقال تعالى: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) [الكهف 6].

وإكمالا وإتماما لعقد الصفات البديعة للرسول الخاتم عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام تؤكد آية سورة القلم الصورة الكاملة لخاتم الأنبياء والمرسلين؛ وهي صورة تقترن فيها الأخلاق ما باقي الصفات النورانية الأخرى، لتقدم لنا الأسوة الحسنة في أجلى الصور وأكملها، مصداقا لقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4].

والتأسي طموح إنساني وكوني، ومقصد كلي له آثاره وتجلياته التربوية والسلوكية والحضارية، وقد ذكره الله تعالى في القرآن الكريم، وصرفه بعبارات تبين معناه، وتكشف مبناه، كما في قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب 21]، وقوله تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) [آل عمران 32]، وقوله سبحانه: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [ آل عمران 31 ].



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

جاء الخطاب الرباني في قوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [ الأنعام 156 ] موضحا بعض خصائص القرآن الكريم، منها أنه كتاب، وأنه منزل من عند الله، وأنه مبارك، وهي صفات تعد من قبيل التمهيد المسهل لاستيعاب بعض المقاصد المرجوة من إنزال هذا الكتاب؛ وهي قصد الاتباع المولد للتقوى...

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن

شرف الله القرآن الكريم، بخصائص وصفات ميزته على غيره من الكتب السماوية، من هذه الخصائص أن آياته وسوره نزلت منجمة ومفرقة على مراحل؛ مرة في اللوح المحفوظ، كما دل عليه قول الله سبحانه (بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ) [البروج 21-22]، والثانية في بيت العزة في السماء الدنيا كما دل عليها قوله تعالى سورة الدخان: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة)

بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ

بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ

لم يجمع الله عز وجل لأحد من الأنبياء والمرسلين، فضلا عن الناس أجمعين، اسمين من أسمائه إلا للنبي الخاتم صلى الله عليه وسلم الذي قال في حقه (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [سورة التوبة 128] فسماه سبحانه باسمين من أسمائه الحسنى ووصفه بصفتين..