أعلام القرن الثاني عشر الهجري

محمد بن عبد الرحمن بن زكري (ت1144ﻫ)
محمد بن عبد الرحمن بن زكري (ت1144ﻫ)

 

الشيخ الإمام، العالم العلاَّمة الهُمام، المشارك المحقّق، المقرئ الحافظ المحدّث، الفقيه المدرّس، الصوفي المدقّق، الحُجّة الضابط، الوليّ الصالح، المتفنّن في العلوم، أبو عبد الله سيدي محمد بن عبد الرحمن بن زكري، الفاسي المولد والنشأة والوفاة.

كان رحمه الله في أول أمره يحترف بصناعة الدِّباغة مع والده، وكان والده مصاحبا لسيدي محمد بن عبد القادر الفاسي، وملازما لمجلس تدريسه، وكان هو يحضر مع والده فيه، ولصغر سنه كان يجلس في مؤخر الناس، ويبحث مع الشيخ كثيرا ويسأله، وكان الشيخ يعجبه سؤاله ويستحسنه من غير أن تكون له به معرفة، ثم إنه أقامه يوما من المؤخر وأجلسه قريبا منه، وقال له: «مثلك لا يتأخر!».

أخذ رحمه الله عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد القادر الفاسي، وأبي العباس أحمد بن العربي بن الحاج، وأبي عبد الله محمد بن أحمد المسناوي، وميّارة الصغير، وغيرهم، وأخذ عنه الشيخ سيدي محمد بن قاسم جسوس، وأبي محمد سيدي عبد المجيد بن علي الزبادي المنالي، وجماعة من أعيان فاس، وكان سكناه بالديوان من حومة الصاغة، ويؤم المسجد الكائن هنالك، وكانت له به مجالس علم، ويقرأ فيه صبيحة الخميس والجمعة «الحِكَم» لابن عطاء الله.

قال عنه الشيخ محمد بن جعفر الكتاني في سلوة الأنفاس: «وكان عالما عاملا، صوفيا كاملا، ممن تقصر عن محاسنه الأقلام، وتَكلّ دون منتهاها ألسنة الأنام، أمره أشهر من نار على علم، فكأنه بدر تم طلع في ديجور الظلم، قد برع في سائر الفنون، وغاص في لججها فاستخرج منها نفائس الدر المكنون، جامعا لأدوات الاجتهاد، مائلا إليه في الحكم والاعتقاد، قادرا على الاستنباط، عارفا بما بين العلة والمعلول من جوامع الارتباط، بالغا غاية الأرب، في تحقيق علوم الأدب، لا يدرك شأوه».

حجَّ رحمه الله سنة أربعين ومائة وألف، ولقي هنالك ناسا من أهل الخير، ولما دخل مصر ورأى ما عليه الناس بها من الولوع بشرب الدخان، عاب عليهم ذلك وأكثر الكلام فيه، وصرّح بتحريمه، فعقد علماؤها مجلسا لمناظرته في جامع الأزهر فناظرهم.

وكان رحمه الله مُعتنيا بزيارة شرفاء أهل وزان، كالشيخ مولاي الطيب الوزاني، فنفحت عليه أنوارهم، وظهرت عليه بركاتهم، وصحب تلميذهم الشيخ سيدي الحاج الخياط الرقعي، فنفعه الله بصحبته.

قال الشيخ محمد بن الطيب القادري في نشر المثاني: «وللناس فيه آراء، والذي عندنا أنه قوي محقق حسبما عرفناه من تقاييده التي سمعناها من أشياخنا الذين أخذوها عنه، وشرحه لألفية السيوطي المسماة بـ«الفريدة» شاهد بذلك، وكذا حاشيته على «توضيح» ابن هشام الذي أوصلها إلى المفعول المطلق ولم يكملها، وشرح «النصيحة الكافية» للشيخ زروق، وشرح «الصلاة المشيشية»، وشرح «الهمزية»، وشرح «الحكم» لابن عطاء الله، وشرح «القواعد الزروقية»، و«تعليق» على صحيح البخاري، و«تفسير» لمواضع من القرآن، و«الفوائد المتبعة»، وله أنظام كثيرة، هذا الذي نسب له شيخنا تلميذه سيدي عبد المجيد الزبادي».

وله مُؤَلّفٌ في الردّ على من يُفرِّق بين المسلمين ويُفضِّل بعضهم على بعض، كما ورد في معجم طبقات المؤلفين على عهد دولة العلويين لعبد الرحمن بن زيدان؛ ذكر محقّق الكتاب، أن أبا عبد الله بن الحسن البناني استند إلى وجود هذا التأليف، لدحض الالتباس الذي وقع فيه البعض بنَسْب كتاب آخر في أفضلية العجم على العرب لابن زكري، وأورد ما نقله صاحب السلوة عن البناني: «حاشا الله، لم يقل ذلك ولم يشر إليه، إنما مضمون تأليفه، منع التفضيل بين الأشخاص بغير التقوى»، وقال: وقد ذهب آخرون، إما إلى نفي وجود هذا التأليف، كما هو الأمر بالنسبة لصاحب السلوة، أو إلى الدّفع باحتمال وجوده، كما هو الأمر بالنسبة للقادري في كتابيه نشر المثاني والتقاط الدرر، مؤكدا، في كتابه الأخير، أن ابن زكري قد «أودع بعض كتبه السابقة بعض المسائل التي تؤذن بأنه يرى  ذلك»، وقد خصّ القادري ثلاثة عشر صفحة من «نشر المثاني» للرد على شعوبية ابن زكري.

توفي رحمه الله في صفر الخير  سنة أربع وأربعين ومائة وألف؛ ذكر السلاوي في  الاستقصا أن وفاته كانت يوم الأربعاء الثامن والعشرين من صفر، وذكر الكتاني في السلوة أن وفاته كانت ليلة الأربعاء ثامن عشر من شهر صفر، ثم نقل عن صاحب النشر قوله: «ودفن في دار براحا بأقصى درب الطويل، تجاور روضة سيدي عزيز، وبينه وبين سيدي محمد ميارة، واتخذها الناس مقبرة لدفن الأموات»، وذكر صاحب إيضاح المكنون أنه توفي بمصر سنة أربع وأربعين ومائة وألف.

من مصادر ترجمته:

طبقات الحضيكي، لمحمد بن أحمد الحضيكي (ت1189ﻫ)، تقديم وتحقيق: أحمد بومزكو، (ص:362). الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، لأحمد بن محمد الناصري السلاوي (ت1315ﻫ)، (83/3). سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس، لمحمد بن جعفر بن إدريس الكتاني (ت1345ﻫ)، تحقيق: محمد حمزة بن علي الكتاني، (168/1). شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، لمحمد بن محمد مخلوف (ت1360ﻫ)، (ص:335). إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، لإسماعيل بن مير سليم الباباني البغدادي (ت1399ﻫ)، (122/3). نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني، لمحمد بن الطيب الشريف القادري الحسني (ت1187ﻫ)، ضمن موسوعة أعلام المغرب، تحقيق: محمد حجي (ت1423ﻫ) وأحمد التوفيق، (2030/5). معجم طبقات المؤلفين على عهد دولة العلويين، لعبد الرحمن بن زيدان (ت1365ﻫ)، تحقيق: حسن الوزاني، (314/2).

إعداد: شوقي محسن
مركز الدراسات القرآنية



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

مدارسة علمية رقم2: قضية التعارض بين القرآن الكريم والسنة النبوية: النسخ أنموذجا

مدارسة علمية رقم2: 
قضية التعارض بين القرآن الكريم والسنة النبوية: النسخ أنموذجا

في إطار مدارساته العلمية عقد مركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء يوم الجمعة 15 شعبان 1438هـ/ الموافق لـ 12 ماي 2017م بمقر المركز مدارسة علمية استكمالا للقضايا المثارة تحت عنوان: «بعض قضايا علاقة القرآن الكريم بالسنة النبوية» المنعقد يوم الخميس 17 رجب 1438هـ/ موافق 14 أبريل 2017م، وقد عقدت هذه الجلسة العلمية لبحث «قضية التعارض بين القرآن الكريم والسنة النبوية...

مدارسة علمية رقم: (1)

مدارسة علمية رقم: (1)

في إطار أنشطته العلمية عقد مركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء يوم الجمعة 17 رجب 1438هـ/ الموافق لـ 14 أبريل 2017م بمقر المركز مدارسة علمية استكمالا للقضايا المثارة في اللقاء العلمي المخصص لقراءة في كتاب «تفسير القرآن بالقرآن» للدكتور محمد قجوي المنعقد يوم يوم الخميس 01 ربيع الأول 1438هـ/ موافق 01 دجنبر 2016م،

مشاركة مركز الدراسات القرآنية في يوم دراسي حول: «مناهج البحث في العلوم الإسلامية»

مشاركة مركز الدراسات القرآنية  في يوم دراسي حول: «مناهج البحث في العلوم الإسلامية»

شارك مركز الدراسات القرآنية بالرابطة المحمدية للعلماء في اليوم الدراسي الذي نظمته شعبة الدراسات الإسلامية ببحث بعنوان: «منزلق الإسقاط المنهجي للقراءات الحداثية للآيات القرآنية: رصد ونقد"، للدكتورة فاطمة الزهراء الناصري، وذلك يوم الأربعاء 30 رجب 1438هـ الموافق26 أبريل 2017م، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية .