ينبوع الحكمة

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن

      د. محمد المنتار
رئيس مركز الدراسات القرآنية

 

شرف الله القرآن الكريم، بخصائص وصفات ميزته على غيره من الكتب السماوية، من هذه الخصائص أن آياته وسوره نزلت منجمة ومفرقة على مراحل؛ مرة في اللوح المحفوظ، كما دل عليه قول الله سبحانه (بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ) [البروج 21-22]، والثانية في بيت العزة في السماء الدنيا كما دل عليها قوله تعالى سورة الدخان: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) [الآية 3]، وقوله تعالى(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) [البقرة 184] ، وقوله سبحانه (إنا أنزلناه في ليلة القدر) [القدر 1]، والثالثة تنزله بالتدريج على قلب النبي صلى الله عليه وسلم منجما ومفرقا على حسب الحوادث والوقائع حتى كمل نزوله في ثلاث وعشرين سنة قال الله تعالى(وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين)[الشعراء 192-195].

ويستفاد من الآيات الثلاث المؤصلة والشاهدة على التنزل الثاني ـ كما اصطلح عليه علماء التأويل ـ أن القرآن الكريم أنزل في ليلة واحدة، توصف بأنها مباركة أخذا من آية الدخان، وتسمى ليلة القدر أخذا من آية سورة القدر، وهي من ليالي شهر رمضان أخذا من آية البقرة (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)[البقرة182-184]

وفي إعلام الله تعالى لعباده بأنه أنزل القرآن الكريم في هذا الشهر المبارك، وفي ليلة مباركة منه هي ليله القدر، إشعار بأفضال هذا الشهر المبارك، وتأكيد لأمر هذا الكتاب العزيز الذي اتسعت ألفاظه ودلالته لقدر جليل من المعاني الربانية والنفحات الإيمانية، ذات الصلة بتاريخ الرسالة وحيثياتها، وترغيب في مصاحبته والنهل من أنواره خلال هذا الشهر الأبرك الذي أفيضت على البشر فيه هداية الرحمن، وتواشجت فيه أنوار الوحي مع أنوار الملائكة..

ومن جهة أخرى فإن القرآن الكريم هو الكتاب الخاتم، الذي أخرج أمة الختم من الظلمات إلى النور، وبدلّها من بعد خوفها أمنا، ومكّن لها في الأرض.. فلا أقل من شكر نعمة المنعم بهذا القرآن بالاستجابة لصوم الشهر الذي فيه نزلت سوره وآياته.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

جاء الخطاب الرباني في قوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [ الأنعام 156 ] موضحا بعض خصائص القرآن الكريم، منها أنه كتاب، وأنه منزل من عند الله، وأنه مبارك، وهي صفات تعد من قبيل التمهيد المسهل لاستيعاب بعض المقاصد المرجوة من إنزال هذا الكتاب؛ وهي قصد الاتباع المولد للتقوى...

بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ

بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ

لم يجمع الله عز وجل لأحد من الأنبياء والمرسلين، فضلا عن الناس أجمعين، اسمين من أسمائه إلا للنبي الخاتم صلى الله عليه وسلم الذي قال في حقه (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [سورة التوبة 128] فسماه سبحانه باسمين من أسمائه الحسنى ووصفه بصفتين..

الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ

الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ

من مظاهر تكريم الله سبحانه للإنسان تعليم هذا الانسان مالم يعلم (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [العلق:5] ومن كرمه سبحانه أن أودع في هذا الإنسان قابلية للتعلم والتعليم، بأن جعل له فؤاد وسمعا وبصرا (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) [الملك: 23]..