قراءات

إسهام مالكية المغرب الأقصى في القراءات وعلوم القرآن وانعكاس ذلك على الدرس الفقهي
إسهام مالكية المغرب الأقصى في القراءات وعلوم القرآن وانعكاس ذلك على الدرس الفقهي

 

إعداد: ذ. رضوان غزالي
مركز الدراسات القرآنية

لا يخفى على الباحثين والدارسين عناية علماء المغرب الأقصى بالدراسات القرآنية، والتعهد بحمل رايتها، والدفاع عن حوزتها بما يضمن صيانتها واستمراريتها، ولهذا نجد المغاربة منذ العصور المتقدمة يستشعرون أن إتقانهم لعلوم القرآن لا يكتمل إلا بالتفقه في أحكامه، والرسوخ في مختلف علومه، إذ لم يكن جهدهم في علوم القرآن بالقليل، وحظهم في الاعتناء بها باليسير، فقد أدركوا أهمية علوم القرآن في فهم كتاب الله قديما وحديثا، وصرفوا جهودهم في الاعتناء بهذه العلوم والتأليف فيها وما زالت هذه العناية متواصلة إلى اليوم دراسة وتدريسا وتحقيقا وتأليفا» [الدراسات القرآنية بالمغرب لإبراهيم الوافي/ص:122].

ويعد كتاب الدكتور عبد الهادي حميتو « إسهام مالكية المغرب الأقصى في القراءات وعلوم القرآن وانعكاس ذلك على الدرس الفقهي» - الصادر عن مركز الدراسات الأبحاث وإحياء التراث، التابع للرابطة المحمدية للعلماء- من الكتب المميزة ، رصد تاريخ هذا الغنى في المغرب، كما كشف من خلال مواضيعه المحكمة الترابط اللثام عن إسهام المالكية في القراءات وعلوم القرآن، كما استطاع إظهار المدى الذي بلغه هذا الإسهام في مختلف الأقطار الإسلامية وخاصة في المدرسة المغربية، وقد تزامن نشره مع حصول الدكتور حميتو على جائزة الرابطة المحمدية للعلماء التقديرية لعام 1431هـ.

بعد المقدمة الموجزة، استهل المؤلِف كتابه بتمهيد أكد فيه على الترابط والتلازم المتينين بين القراءات القرآنية والمذهب الفقهي في إسهام المالكية، حيث يقول: "ولعلّ أهم ما ربط بينهما(...) هو الإطار الزمني والوعاء المكاني الذي نشأ فيه المذهب والقراءة، وتبادل المشيخة بين إمام القراءة، وإمام المذهب".

  لقد تولد عن هذا التلاحم بين القراءة والمذهب نوع من الازدواجية في تكوين علماء المدينة المنورة والوافدين عليها، فلا تكاد تجد راويا معتبرا يروي عن الإمام مالك إلا وجدته في الوقت ذاته يروي القراءة عن نافع،  من أمثال الفقيه الليث بن سعد إمام أهل مصر، والفقيه عبد الله بن وهب المصري، وإسماعيل بن أبي ويس المدني، والغازي بن قيس القرطبي، وغيرهم.

بعد عرض المؤلِف للمميزات التي انفردت بها المدرسة المالكية منذ بداياتها، ينتقل للحديث عن استمرار الأخذ بهذه الازدواجية في تلقي المذهب والقراءة  في بلاد كنانة –مصر-،  التي صارت في النصف الثاني من المائة الثانية مالكية المذهب مبينا السبب بقوله: «وذلك بسبب وفرة أصحاب مالك بها، واستبدادهم بالفقه فيها، من أمثال: ابن القاسم وابن وهب وأشهب وأصبغ وبني عبد الحكم».

ويستمر مبدأ الأخذ بهذه الازدواجية أيضا في إفريقية والقيروان، ففي النصف الثاني من المائة الثانية، وبعد دخول الإمام أبو عبد الله محمد بن خيرون المعافري الألبيري الأندلسي إليها – القيروان-  عائدا من رحلته من مصر وجد البيئة مهيأة لاستقبال قراءة إمام أهل المدينة بعد أن تمهد الأمر في إفريقية على يد مدرسة عبد السلام بن سعيد التنوخي المشهور بـ «سحنون»: عميد المالكية في عصره، وصاحب المدونة الفقهية على مذهب مالك، من روايته لها عن عبد الرحمن بن القاسم العتقي المصري.

ولقد تجلى أثر الفقيه سحنون في المنطقة في تحولها السريع للأخذ بمذهب الإمام مالك وقراءة الإمام نافع، حيث خطا بمذاهب أهل المدينة في الفقه والقراءة خطوات واسعة حينما تولى القضاء لبني الأغلب على إفريقية والقيروان، وأمست شؤون الجوامع وحلقات العلم والقراءات كلها من اختصاصه ونظره.

ويؤكد المؤلِف على الدور الكبير الذي لعبته رسالة سحنون - والمسماة «رسالة في آداب المعلمين»- في التحول إلى قراءة نافع قائلاً: « وأول عمل ينبغي أن نستحضره من عمل سحنون في هذا التوجه، هو تلك الرسالة الفذة التي أملاها على ولده محمد بن سحنون وسماها «رسالة في آداب المعلمين» (...) وما يهمنا منها على وجه الخصوص  ما يتعلق بالقراءة (...) فالقراءة الحسنة السنية إذن هي قراءة نافع». ولم يكن من قبيل الصدفة أن يُترجم مضمون رسالته إلى واقع عملي على أيدي تلامذته فقد كان على عهد سحنون أبو عبد الرحمن محمد بن برغوث المقرئ إمام جامع القيروان، الذي أخذ القراءة عن أبي يحيى زكرياء بن يحيى المعروف بلقب الوقار الذي قرأ القرآن على نافع، وذكر الحافظ أبو عمرو الداني في طبقات القراء والمقرئين في ترجمة أبي العباس عبد الله ابن طالب قاضي القيروان - من أصحاب سحنون-، أنّه كان أيام قضائه قد أصدر أمراً إلى ابن برغوث أن لا يقريء الناس إلا بحرف نافع، وذلك معناه ترسيم هذه القراءة بصفة نهائية في إفريقية والقيروان والجهات التابعة لها، وفيه تتجلى ثمرة ما ذكرناه من ازدواجية التحمل، والتي انتهت على أيدي مدرسة الفقه المالكي في إفريقية إلى إقرار قراءة نافع واعتمادها، وقد تم مثل ذلك في بلاد الأندلس على أيد رواد قراءة نافع بها، وفي طليعتهم الغازي ابن قيس القرطبي.

أما عن كيفية انتشار مذهب الإمام مالك في الأندلس فيشير الإمام أبو محمد بن حزم في قولته المشهورة – فيما نقله الحميدي في الجذوة-: مذهبان انتشرا عندنا في أول أمرهما بالرياسة والسلطان:«مذهب أبي حنيفة بالعراق... ومذهب مالك عندنا بالأندلس» ويرى الدكتور عبد الهادي حميتو أن نظر ابن حزم لنشأة المذهب في غاية الصلاحية بقوله: «ونحن نرى ما علل به للمذهب في غاية الصلاحية للتعليل به للأخذ بقراءة نافع وبالأصالة أو بالتبع». كما أتى بمجموعة من الشواهد الدالة على المكانة التي حظي بها مذهب أهل المدينة في فقههم وقراءتهم في الأندلس.

   بعد حديث المؤلف الشيق والممتع عن طلائع المدرسة المالكية بالمدينة مرورا بالقيروان والأندلس، وما تميزت به من خصائص ينتقل فضيلة الدكتور عبد الهادي حميتو للحديث عن المدرسة المالكية بالمغرب الأقصى وعناية المغاربة بحفظ القرآن الكريم، ولعلّ هذا ما جعل ابن خلدون يقف عند هذه الظاهرة معللا ومحللا، حيث يقول: «فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء الدراسة بالرسم ومسائله واختلاف حملة القرآن فيه لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم، لا من حديث ولا فقه...»  ، كما توقف عندها الفقيه القاضي أبو بكر بن العربي  منتقدا المنهج التعليمي بها قائلا: «ويا غفلة أهل بلادنا في أن يؤخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره، يقرأ ما لا يفهم ويَنصَب في أمر غيرُه أهمّ»، قال ابن خلدون: «وما أشار إليه أبو بكر رحمه الله وهو لعمري مذهب حسن...»، ويرى المؤلف من خلال طرحه للموقفين أن ابن خلدون إنّما وصف ما انتهى الحال بعد عصور الإزدهار في الأقطار المغربية، مضيفا أن الحركة القرائية والعلمية قد تأتى لها أن تحافظ على مستوى ملحوظ من مستويات التألق، لاسيما في الحواضر الكبرى كسبتة وطنجة وفاس ومراكش وغيرها، كما تأتى للجوامع والمدارس الناشئة في أيام المرابطين والموحدين والمرينيين، ثم السعديين والعلويين أن تستوعب من النشاط القرائي والعلمي وعلى مختلف المستويات، ما أمكن معه استمرار هذا العطاء وتدفقه منها على مختلف الجهات، ووضع الخطط الراشدة التي تمكن من مدّ الجسور واتصالها ما بين المؤسسة القرآنية والمؤسسة الفقهية بصورة تجعل الدرس القرائي منفتحا باستمرار على الدرس الفقهي، وقادرا على التجاوب معه ضمن المنظومة التعليمية.

والمتأمل في تراجم العلماء وفهارس مشيخاتهم يلاحظ تلك الازدواجية عند علمائنا، وهي ازدواجية قوامها الشعور بتكامل جوانب العلم وحاجة العالم إلى الموسوعية التي تنطلق من الأساسيات الضرورية، ثم تبنى عليها غيرها مما هو من تمامها، وقد ذكر المؤلف مجموعة من هؤلاء العلماء أمثال: القاضي عياض، وأبو عبد الله بن رشيد السبتي، وأبو موسى بن عبد العزيز الجزولي،  وتزداد العلاقة توطداً بين الدرس القرائي والفقهي بعد انتقال قاعدة الحكم إلى فاس، ومن أمثال قراء هذا العصر وعلمائه نجد: أبي الحسن علي بن سليمان القرطبي، والعباس أحمد بن علي الزواوي، وأبي عبد الله بن آجروم الصنهاجي وغيرهم.

ويتوقف المؤلف عند  الميثاق الرسمي الذي انتظمت فيه المدرسة المغربية بشقيها القرائي والفقهي، معطيا بعض الأمثلة عن مقدار انعكاس الدرس القرائي  عند قرائنا على الدرس الفقهي.

«مسألة البسملة في أوائل السور في الأداء والصلاة» وهي من المسائل الشائكة التي شغلت العلماء وكثرت فيها الآراء، وقد اخُتلف فيها على خمسة أقوال، فمالك رحمه الله يرى أنها ليست بآية ولكنه يجيز قراءتها في النوافل والعرض على المقرئين، بينما يرى نافع أنها آية من السبع المثاني وأن الله أنزلها، قال أبو القاسم الهذلي في كتابه"الكامل في القراءات":« سأل مالك نافعا القارئ عن البسملة فقال: السنة الجهر بها. قال: فسلم له-أي: مالك- وقال: كل علم يسأل عنه أهله»، ويرى الدكتور حميتو أن المسألة لم تحسم بهذا الجواب، وإنما حُسِم القول فيها درءا للنزاع، كما أورد مجموعة من النصوص الموجهة لهذا الخلاف بين الإمامين.

ثم انتقل بعد ذلك لبيان موقف القراء في المغرب من المسألة مؤكدا أنهم ظلوا أوفياء للمذهبين، فأجروا ما كان من متعلقات القراءة على مقتضى مذاهب القراء، وما كان منه من متعلقات الأدلة الفقهية الاجتهادية على مقتضى المذاهب الفقهية،  ويشيد المؤلف بما قاله الحافظ ابن الجزري في كتابه النشر في القراءات العشر قائلا: «وأفضل من ذلك ما قاله الحافظ ابن الجزري رحمه الله» ومفاده : أن الاختلاف في البسملة كلاختلاف في القراءات، أما الشيخ ابن عاشور فيرى عدم وجود أي أثر أو صلة لاختلاف القراء في مذاهبهم القرائية، باختلاف الفقهاء في مذاهبهم الفقهية، مشيرا إلى أن مالكا تلقى أدلةَ نفي الجزئية عن علماء المدينة، وعنهم تلقى نافع بن أبي نعيم، في حين ربط فيها السيوطي (ت911هـ)  الحكم الفقهي بالحكم القرائي مبينا أن البسملة نزلت في بعض الأحرف ولم تنزل في بعض، وألطف من ذلك أن نافعا له راويان: قرأ  أحدهما عليه بها، والآخر بدونها.

وتأسيسا على ما سبق يبرز الأثر القرائي وانعكاسه على الدرس الفقهي، في إطار ما يسمى بـ " الفقه االقرائي" وهو نمط من الفقه عند فقهاء المالكية مادته مستنبطة من اختلاف القراء في قراءة آيات الأحكام، وقد أورد المؤلف نماذج فقهية، أبرز من خلالها عناية فقهائنا واستفادتهم من الثروة القرائية، فأثروا بها ما ألفوه في علوم القرآن وكتب الأحكام.  

وقد خصص المؤلف مبحثا كاملا ذكر فيه بعض الأمثلة لاستدلال الفقهاء على الأحكام استنباطا واعتبارا باختلاف القراءات، كما أشاذ بدور علمائنا منذ عصر الشيخ ابن غازي في تدريس المتون، وكان يطلق عليها اسم الكراريس، كما نشأت على هامش الدرس القرائي والفقهي وبمحاذاته أدبيات محضرية ومدرسية  يتمثل أكثرها في نوازل تعليمية متصلة بهذا المستوى من الدرس وما يرتبط به من علاقات بين الولدان والمؤدبين...وفيها يتجلى مقدار انعكاس أثر الدرس القرآني وما يرتبط به من أحوال في الدرس الفقهي باعتباره الطور الموالي لطور المحضرة والمكمل لها، والمسعف لها بالبحث عن المخارج والفتاوى المساعدة على حل مشكلاتها والبث في قضاياها.

ويصف المؤلف في آخر مبحث من كتابه ما آلت إليه الحال في القرون الأخيرة من العودة إلى الاقتصار على حفظ القرآن الكريم والمهارة في رسمه وضبطه وحفظ رواياته، دون غيره من العلوم الأخرى كالفقه واللغة وغيرهما، مما أدى إلى انتشار الجهل بين قراء القرآن، وقد بادر السلطان سيدي محمد بن عبد الله العلوي فحاول تدارك الموقف، وذلك بوضع برنامج رسمي بعث به إلى جميع أطراف المملكة وضمنه كتابه المسمى: مواهب المنان، بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان، ومن المعلوم تاريخيا أن السلطان سيدي محمد قد عمل على إصلاح نظام القرويين أيضا، وذلك بأمره بالعودة إلى الأصول وترك الاكتفاء بالمختصرات،  لكن ولده المولى سليمان – وربما بطلب من فقهاء القرويين- أعاد الأمر إلى ماكان عليه من الاعتماد على مختصر خليل.

وليجعل مسك الختام قصيدة نظمها بمناسبة حصوله حفظه الله على جائزة الرابطة المحمدية للعلماء لعام 1431هـ.تحت عنوان" طوقتم عنقي".

وقد استطاع الدكتور عبد الهادي حميتوا بتأليفه لهذا الكتاب القيم، إظهار المدى الذي وصله إسهام المالكية في مختلف الأقطار الإسلامية، وإسهام المدرسة المغربية في القراءات وعلوم القرآن وانعكاس ذلك على الدرس الفقهي معززا ذلك بما يليق من الشواهد والأمثلة الموضحة والمبينة لهذا التلاقح وهذا التفاعل العلمي الذي كان وما زال مستمرا في هذه الربوع من العالم الإسلامي.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

القراءات الحداثية للقرآن الكريم ومناهج نقد الكتاب المقدس: دراسة تحليلية نقدية

القراءات الحداثية للقرآن الكريم ومناهج نقد الكتاب المقدس: دراسة تحليلية نقدية

صدر كتاب «القراءات الحداثية للقرآن الكريم ومناهج نقد الكتاب المقدس: دراسة تحليلية»، للدكتور يوسف الكلاَّم، ـ أستاذ مقارنة الأديان في مؤسسة دار الحديث الحسنية بالرباط، عن مجلة البيان، 1434هـ، في 95 صفحة، والكتاب يتألف من مقدمة، ومدخل، وأربعة عناوين رئيسة، ثم خاتمة.

دراسات في أصول تفسير القرآن

دراسات في أصول تفسير القرآن

«أصول التفسير» علم يدرس القواعد التي تضبط تفسير كلام الله تعالى وتعصمه من أن يكون عملا اعتباطيا خاضعا لأهواء الناس ومذاهبهم وبواعثهم الفكرية.
وسعيا من لدن بعض العلماء لتفادي المزالق التي وقع فيها المتعاملون مع القرآن الكريم فهما، وتفسيرا، واستنباطا، واستدلالا، قعدوا قواعدَ تفسيرِ كتاب الله تعالى، وأودعوها في مقدمات كتب التفسير...

مفهوم الترتيل: النظرية والمنهج

مفهوم الترتيل: النظرية والمنهج

مفهوم الترتيل في القرآن الكريم: النظرية والمنهج" (2007) للدكتور أحمد عبادي محاولة منهجية دقيقة للكشف عن مفهوم قرآني أُنُفٍ لم ينل حظه الكافي من الدراسة والتنقيب، طمرته البداهة فحجبت مدلولاته خطيرة الأبعاد، واسعة المهاد...