أبحاث ودراسات

إيحاءات المطالع في الآي وأثرها في التفسير والبيان
إيحاءات المطالع في الآي وأثرها في التفسير والبيان

 

   د. عبد الله عبد المومن
أستاذ بكلية العلوم الشرعية
 جامعة القرويين - السمارة
       المملكة المغربية

 

استبطنت الدلالة القرآنية هاديات منهجية لما يحتمله اللفظ والمعنى من دلاء غائرة وفصوص ضامرة أو تجليات لائحة ظاهرة، يندر فيها الاستعصاء إلا على من حيل بينه وبين التبصّر بحجاب المعرفة، أوتكشّف ولم يتفيّأ بظلالها الوارفة، إذ ألقى به هواه في متاهات مقرفة، يصدق القول بعده أن المعارف مع صدق الطوية لكل أريب مؤلفة.

تُستمدّ تلك المعاني فتتماهى مع لوائح الملكة الفقهية والربّانية الإيمانية، لتؤسس لأصل المدد في تعدد المداخل وتنوع الفواصل، التي لا يزيد عطف معنى خفي فيها على معنى جليّ ظاهر على حدّها، سوى تثبيت حقيقة نفاد البحر مدادا، وإن جيء بمثله مددا.

هو نفسه ما تُمليه وظيفة البيان في سياق الاستمداد من الحد والمطلع والظاهر والباطن في الآي لتحقق معنى البلاغ في رسالة القرآن والإحسان في تنمية العمران، فلا يطال العجز حينها إلا من لم يسطع اللحاق لضمور مشربه الفقهي ومدركه الفكري بمعان مسترسلة أراها المولى سبحانه لمن عرف الكتاب فقدّره، وتلاه بالفكر والنظر ثم تدبره، وائتم بصدق السريرة فالسبيل إلى معانيه يسره، فحفظ له أسرار المعاني في كنّ تنفتح مغاليقه كلما جاور التجريد ونشد تحقيق التجديد في التوحيد، ذاك المدخل إليه كما نبه عليه العلماء: "بإسقاط حظوظه في الوجهة إلى الله تعالى وتصحيح العزم بإمحاض القصد في معاملة الربّ، وسداد السعي لموافقة القلب، حتى يجتمع القصد والسعي على منهاج التوحيد". (1)         

وإن خيف هول اقتحام مجال التفسير ابتداء لما اشتملت عليه كتب التفسير من الخلاف، وما حمّلته الآي والأخبار من التأويلات الضعاف، حتى قيل لمالك: لم اختلف الناس في تفسير القرآن؟ فقال: قالوا بآرائهم فاختلفوا.(2)

 فإن الرأي بعد الأثر ما دام لم يلتبس بعدُ بنزعة هوى فهو تحقيق لمسار الاستمداد من مدد البيان، الثلاثي الأقطاب: العبارة، والإشارة، والمناسبة. فيتمخض عن دلالة العبارة فقه الاستنباط، ويتحصل بالإشارة سداد السلوك ومتانة الارتباط، وتنشد المناسبة تحقيق سر الإعجاز وتقريب المناط، فيتماهى ما استُمدّ من كلّ الأصول في قلائد تُسبَك في خرز منتظم في جيد حلي المعنى، ولم يك هنالك غرض تناضلت له سهام الأفهام ولا غاية تسابقت لها جياد الهمم فرجعت دونها حسرى واقتنعت بما بلغته من صبابة نزرى، مثل الورود على الفهم والذوق للآي، التي يحول الكدر بين مدارك العقول ومراسي الحقيقة والوصول، لتفريطها في مقاطع الحقوق، ومن ثم يعرف السر في العدول عن كل ما جادت به القرائح من فهوم لا يشذّ عنها إلا من لم يعرف باطنه المسايرة لظاهره.    

 واعلم أن أصل التقليد هو المعصية التي هي كالطبع لهذا النوع لأنه غلب عليه حب الخيال والوهم، وقلّ فيه طاعة العقل والفهم، فالإنسان بطبعه شاعر النفس، والمخالفة توجب صرف أكثر مدحه وذمه إلى الجنس (3)

التعريف والتوصيف:

ويستدعي الوقوف في هذا البحث الإلمام بالهيئة الظاهرة للآي وما تحتمله من معان تنفذ إلى الحقيقة الاصطلاحية استنادا إلى الظاهر والباطن والحد والمطلع، والمراد من المطالع ما يصدق عليه القول كما سيأتي أنها مصاعد للمعاني بل ما يطلع منه على غوامض أسرار المعاني، ومن ثم ابتغيت الإلمام دون الإحاطة بجوانب البيان الإشاري من جملة مسالك البيان في الاستمداد من مطالع الآي.

أسند السلمي في تفسيره عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، لكل آية منه ظهر وبطن ولكل حرف حد  ومطلع " . 

   وحكى عن جعفر بن محمد أنه قال : كتاب الله على أربعة أشياء : العبادة والإشارة  واللطائف والحقائق . فالعبادة للعوام ، والإشارة للخواص ، واللطائف للأولياء والحقائق  للأنبياء .   وقال على بن أبي طالب كرم الله وجهه : ما من آية إلا ولها أربعة معان : ظاهر  وباطن وحد ومطلع ، قال : الظاهر التلاوة ، والباطن الفهم ، والحد هو عبارة وإشارة ،  وأحكام الحلال والحرام ، والمطلع مراده من العباد بها. وجعل القرآن عبارة وإشارة  ولطائف وحقائق ، فالعبادة للسمع والإشارة للعقل واللطائف للمشاهدة والحقائق  للاستسلام. (4). 

قال ابن عجيبة: "ولكل حرف حد أي منتهى تنتهي العقول إلى ما يفهم منه من الأحكام والمعاني الظاهرة، ولكل حد مطلع بشد الطاء وفتح اللام وهو ما يطلع منه على غوامض أسرار المعاني، أي لكل حرف حد يقف معه أهل الظاهر ويطلع منه أهل الباطن على أسرار وغوامض لا تفهم من ظاهر اللفظ، وإنما تؤخذ بالإشارة.."(5)

قال البغوي : قوله (لكل حد مطلع) أي مصعد يصعد إليه من معرفة علمه ، يقال المطلع الفهم ، وقد يفتح الله على المتدبر والمتفكر في التأويل والمعاني ما لا يفتح على غيره : { وفوق كل ذي علم عليم }  انتهى حاصل كلامه ، قلت : وما مر من أقوال المفسرين ليس شيئا منها مرفوعا ، ولا علما لا يدرك بالرأي حتى يكون في معنى المرفوع بل تأويلات لمعنى الأسماء على حسب آرائهم ومن ثم ترى الاختلاف وما ذكرت لكل كذلك ، وأيضا قول ابن عباس : علمه اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة ، وما قيل علمه أسماء ما كان وما يكون وأسماء ذريته وصفة كل شيء لا ينافي تعليمه الأسماء الإلهية وهي أفضل مما كان ويكون هو الأول لا يكون شيء قبله والآخر لا يكون شيء بعده والظاهر لا شيء فوقه والباطن لا شيء دونه ، وإنما اقتصر ابن عباس على ذكر أسماء الممكنات خطابا لإفهام العوام، وكذلك شأن الأكابر يكلمون الناس على قدر عقولهم. والله أعلم (6)

قد يلوح مما تقدم مدى ما تستبطنه المعاني المحتملة في الآي من إشارات خفية تخفي سعة الإعجاز في البيان، لا يَرِدُ عليها من لم يستكمل أدوات المعرفة وفقا لأقسامها ظاهرة وباطنة، فتكون كالمصاعد إلى معان تتلاءم وتتحد في قالب تأويل غير متناه مما يناسب أسرار التنزيل ومعاني القول الثقيل.

الدليل والدلالة:

يقول الشيخ المحدث عبد العزيز بن الصديق: تفسير الآية أو الحديث بمعنى زائد على ظاهر اللفظ مع بقاء دلالته الظاهرة على حالها: لا شيء فيه مطلقا، وإنما هو من باب الفهم الذي يؤتيه الله تعالى لعبده في أخذ الإشارة بمعنى من المعاني الدالة على الحقيقة أو غيرها من كتابه تعالى، كما قال علي بن أبي طالب عليه السلام. وإلى ذلك يشير قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت: " لكل آية ظاهر وباطن وحدّ ومطلع" لأنه ما من لفظ في اللغة العربية التي جاء بها القرآن إلا ويمكن التجاوز من معناها الظاهر إلى معنى آخر باطن، مع بقاء معناه الظاهر على حاله.اهـ (7)

قلت، وقد فسر العلماء الإشارة بأنها تأويل القرآن بغير ظاهره لإشارة خفية تظهر لأرباب السلوك والتصوف ويمكن الجمع بينها وبين الظاهر المراد أيضا.

وكان هذا التدليل على معنى الإشارة في اصطلاح العلماء موح بالتفريق بين التفسير والتأويل، مما يستدل به على عدم إرادتهم من إشارات القوم ما يصير له معنى التفسير والتوضيح بقدر ما هو مناسب لمعنى الإيماء والتلويح، وهذا ما قصده ابن عجيبة في بيان معنى التفسير، بأنه: "العلم الباحث عن معاني القرآن الظاهرة إفرادا وتركيبا وما يتوقف عليه خاصا به أو كالخاص، وقيدناه بالمعاني الظاهرة احترازا عن فهوم أهل الإشارات فإنها ليست بالتفسير المتعارف بل هي خارجة عما تؤديه العبارة" (8)

وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم هذا التجاوز، ففسّر اللفظ بمعنى آخر غير المعنى الظاهر منه، مثال ذلك: الحديث الصحيح: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس منا من لا درهم له ولا متاع، قال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتي وقد ضرب هذا وشتم هذا، وأ كل مال هذا..الحديث"(9)

فقد فسر صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة لفظ : (المفلس) بغير المعنى الذي سبق إلى ذهنهم، وهو الذي يدلّ عليه ظاهر اللفظ.

وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي رواه الطبراني بسند لا بأس به عن معاذ بن جبل قال: " بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أين السابقون؟ قالوا: مضى ناس وتخلّف ناس، قال: أين السابقون الذين يستهترون بذكر الله؟ من أحبّ أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله تعالى"

وأورد الشيخ أحاديث أخرى فسر الشارع ألفاظها وظواهر نصوصها بمعان تخالف ما يؤلف عند سماعها، فيعتدّ بباطن اللفظ في الدلالة على معناه وبالخفي عن فحوى مبناه، ومنها تفسير الصرعة في الحديث بمعنى بعيد عن ظاهر اللفظ، وعلق عليه الشيخ أنه تفسير بطريق الإشارة والمعنى الباطن، لأن الصّرعة هو الذي يصرع الناس ويغلبهم، فصرفه صلى الله عليه وسلم إلى الذي يصرع نفسه ويغلبها عند الغضب وذلك ساعة قوة النفس وتسلطها على العقل. وهذا هو تفسير الإشارة بنفسه لمن تدبّر.

وفسر صلى الله عليه وسلم (الرقوب) على خلاف ظاهر اللفظ، بل فسّره من طريق الإشارة أيضا إذ جعل: (الرقوب) هو الذي له ولد ولم يقدّم منهم شيئا، مع أن المعروف عندهم أن (الرقوب) هو الذي لم يولد له كما أجابوا بذلك.

وليس معنى هذا أن التفسير أن ظاهر اللفظ اللغوي زال عن معناه المعهود في اللغة، فإن الصرعة والمفلس والرقوب دلالتها اللغوية الظاهرة من اللفظ لا زالت على حالها. وإنما تجاوز صلى الله عليه وسلم من معنى هذه الألفاظ الظاهرة إلى معنى آخر باطن لا ينافي المعنى الظاهر.

وهذا هو تفسير أهل الإشارة بعينه، بل ربما كان تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم أبلغ من ذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم أتى بعبارة يُفهم منها أن المعنى الذي ذكره هو المراد من اللفظ الظاهر للواضع. 

وكذلك لما كان قلب المؤمن محلا للتجليات الربانية ومسكنا لها ومنه تتوزّع المكارم بسبب ذلك على الجوارح فيظهر عليها أثر تلك التجلّيات: كان هو الأولى بهذه التسمية من شجرة العنب التي تتفرّع منها الخبائث عند شرب عصيرها.

قال الشيخ: ومثل هذا كثير، لو تتبّعه الإنسان لخرج منه شيء كثير، وهو كله دليل واضح على أن أخذ معنى زائد عن ظاهر اللفظ من الآية أو الحديث: لا شيء فيه ولا اعتراض على صاحبه.

لأن فاعل ذلك لا يقول : أن المعنى المراد من الآية أو الحديث هو تلك الإشارة ولا  دلالتهما محصورة فيها، وإنما يترك اللفظ على ظاهره في دلالته، ويؤمن بذلك من جهة التشريع وأحكام الشريعة، ولكن يستنبط من ظاهر اللفظ معنى آخر من طريق الإشارة يحتمله اللفظ أيضا. (10)

قلت، ومثله ما أومأ إليه ابن عطاء الله أن ليس ذلك بإحالة، وإنما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلا هذا، وهم لم يقولوا ذلك بل يقررون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها ويفهمون عن الله ما ألهمهم. (11)

فيتنخل مما تقدم إقامة الضوابط الكفيلة بما يناسب حقيقة البيان الإشاري مستمدّا من إيحاءات المطالع لمن صفت سريرته لمخالطة المعاني والاستئناس بالمباني، وليس هي إلا:

ــ المؤالفة لما يستوحى من ظواهر الألفاظ دون المخالفة.

ــ عدم التحديد إلا بدليل في قصر المعنى عليه دون الظاهر من اللفظ.

ــ عدم الإغراق في التأويلات البعيدة والمعاني المدخولة.

ــ انتفاء المعارض شرعا وعقلا

ــ مناسبة معناه لما يستمد من الأصول التشريعية على وجه التأييد والتسديد.

 الآيات المتلوّة والمجلوّة:

إنْ شمل النظر في الوجود ووظائف الموجود الآي المسطورة والمنظورة ودلالة التيسير والتسخير، فإنه قد يستوحى من بديع النظم في المسطور منها انفتاح المطالع لدرك ما ترشد إليه ألفاظها ومصاديقها، ومن ثم فالآيات على ضربين: آيات متلوة، وآيات مجلوّة، ومدرك الأولى السمع، ومدرك الثانية البصر. والمقام ذو الآيات المتلوّة يناسب ذكر السمع، كقوله تعالى: " فلمّا أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدّس طُوى، وأنا اخترتك فاستمع لما يُوحى"، والمقام ذو الآيات المجلوّة يناسب ذكر البصر، كقوله: " وجعلنا من بين أيديهم سُدّا ومن خلفهم سُدّا فأغشيناهم فهم لا يُبصرون"

وليس بواجب على الجملة أن يكون مع كل واحد من النوعين ما يناسبه، ولكنه إن ذكر فقد يكون ذلك لخصوصية ممكنة أخرى سوى مطلق المناسبة، وقد يكون لمطلق المناسبة، وإن لم يذكر فواضح، وإن ذكر مع أحدهما ما يُناسب الآخر فذلك لأنها بلغت من الوضوح والجلاء ما كأنها تُرى أعيانا، وفي المجلوّة يذكر معها السمع لأنها بلغت من التحقيق ما كان لها لسانا تنادي به الإقبال عليها وحسن الإصغاء إليها..(12)

تلك معان تستوحى من مطالع الألفاظ وحدّ الحرف ليُعلم أن قرع الأسماع بالمعنى الظاهر من سياق اللفظ، لا يُغني في تحمل وظيفة البيان للقول الثقيل كما وسمه رب العزّة سبحانه، عن تتبع ما خفي من معان تؤالف ظاهر اللفظ في الحكمة والأثر وإن خالفته في الرسوم والصور.

ولا يُستغنى عن ضوابط في الباب تحول دون الخروج عن اللباب المستطاب، ولكل فنّ أهله، وبقدر مراقي التجريد تسمو المعاني وتروم الجدة والتأييد، ولا خلاف في الإنكار، إن تعذّر الفهم واكتناه الأسرار، ومثله لا يُحمل فيه الرأي على التقليد والاحتفاء بما كان عليه التقييد، وإنما خاتمية الرسالة وإعجاز القرآن كفيل بألا تؤخذ النظرات والمواقف على التأبيد، ذلكم وإنسان العصر في أشد الحاجة إلى الاستمداد من معارف القيم وأدوات التسليك من أقدس مصدر، تعود عليه آثاره بالإصلاح والتشييد.

فإذا كان الحال بين الفينة والأخرى يستدعي نظرات حسب جهد المطلع في تفسير ظواهر علمية ودقائق تقنية في الإعجاز العلمي نستنبط لها ما يناسبها من دلالة القرآن، تأييدا لإعجازه وتحقيقا لمصدريته، وإذا كان منطق البيان كلّ على مولاه إلا إذا صاحبه بمعاني ومفردات الكتاب في الإعجاز البياني، فأنى للباحث أن يقف مذهولا أما حقائق يفتقر إليها المرء قبل العلم والبيان، بل لا يغني ذلك عنها، كلما استمد المكلف من منظومة السلوك وجوهر القيم المستقرأة من كتاب الله تعالى في توجيه الإعجاز التشريعي. حتى قال الإمام الجنيد رحمه الله: ابدأ المريد بالرفق ولا تبدأه بالعلم فإن الرفق يؤنسه والعلم يوحشه. ثم الواجب بعد حصول العلم إنفاذه والعمل به، وإلا كان عليه حسرة وندامة يوم القيامة، وكان شاهدا عليه لا له وكان له خصما. ولتلك الحقيقة قرر بعض العارفين:

       وقم بميزان العلم في كل ما قمت       إلا أن علم الحـــال خير على خير

       وصفة هذا العلم من أي ما جئت       تشاهد وصف الذات بارتفاع الستر

وعلم الحال هو العلم الباحث عن أحوال النفوس وأحوال القلوب وأحوال الأرواح والأسرار، ويبحث أيضا عن التنزل في الأحوال والمقامات، وعن معرفة الأحوال الصحيحة من المعلولة، فهذا صفة علم الحال..، فإذا انضم علم الحال إلى علم الشريعة كان خيرا على خير، والفرق بين علم الحال وعمل الحال أن علم الحال هو معرفته وتعلق القلب به، وعمل الحال هو المجاهدة في نيله حتى يصير مقاما.(13)

فكل ما يرومه الباحث في أدوات التفسير والبيان، تبقى معه حقيقة الظاهر في اللفظ بمثابة مفتاح مغاليق ما تكتنزه العبارة والإشارة والمناسبة، ليستكمل المعنى المراد في وظيفة البيان مؤالفا لما يتحقق به الإعجاز الغيبي، وتلك حقيقة ما تنشده رسالة القرآن في جس نبض الإيمان ليسلم المعنى من مغناه، قال تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها"، والمعنى أنه تدبر على حسب صفاء الجنان، فبقدر ما يتطهّر القلب من حب الدنيا والهوى تتجلى فيه أسرار كلام المولى، وبقدر ما يتراكم في مرآة قلبه من صور الأكوان، يتحجّب عن أسرار معاني القرآن، ولو كان من أكابر علماء اللسان. فلما كان القرآن هو دواء لمرض القلوب، أمر الله المنافقين بالتدبّر في معانيه، لعل ذلك المرض ينقلع عن قلوبهم، لكن الأقفال التي على القلوب منعت القلوب من فهم كلام علام الغيوب، فحلاوة كلام الله لا يذوقها إلا أهل التجريد، الخائضون في تيار بحار التوحيد، الذين صفت قلوبهم من الأغيار، وتطهّرت من الأكدار، يتمتعون أولا بحلاوة الكلام، ثم يتمتعون ثانيا بحلاوة وشهود المتكلم، والله تعالى أعلم. (14)

العرف والعبق:

يناكد في هذا المقام ما استوفاه المتطلع بعد البحث والتنقيب من الأيلولة إلى التخوف من الخوض فيما خفي من وجوه البيان الإشاري ــ وإن كان معناه لم يجعل قصرا عليه ــ سدا لذرائعه وخشية تأويله، مما أفضى إلى الاختلاف حول التسمية والمدلول والأثر، وأغلب من تسرّع في منعه قارنه بتفاسير الباطنية ، وبين التفتازاني مدرك هذا القول ونقده، بقوله: سميت الملاحدة باطنية لادعائهم أن النصوص ليست على ظواهرها، بل لها معان لا يعرفها إلا المتعلم، وقصدهم بذلك نفي الشريعة بالكلية، قال: وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص من أن النصوص على ظواهرها، ومع ذلك ففيها إشارات خفية إلى دقائق تنكشف لأرباب السلوك يمكن التوفيق بينها وبين الظواهر المرادة، فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان. (15)

وليس ذاك ما عليه الحال في البيان الإشاري إذ معانيه ليست بإحالة توقيفية، وإنما تقرير يعزز الظواهر ولا يتجاوزها، فإن تجاوزها فلمعنى في الباب لطيف الدرك لمن درى ووعى حقيقة التدبر مع صفاء السريرة. وهذا ما لا غنى عنه في مسالك الاستمداد من أبحر معاني القرآن إلا بخوض هذا الغمار وقرع باب المسالك الدلالية كلها لفظا ومعنى، واعتماد الوسيلة التربوية والتزكية والتصفية، فيما يوسم بالضابط التجريدي، ويتفاوت حسب درجات الاستيعاب بالتدبّر والتبصر، بدءا من الجانب الصوتي في الترتيل..، إلى الجانب السلوكي في التدبر والتحبير، مع الجمع بين الاستقامة في كليهما. (16)

فلا يعدو ختاما ما سطرته في هذه العجالة أن يقارب مقدمات منهجية تروق الباحث عن سر تعدد المدارس في التفسير، وتحيل على التنقيب عن مدارك البيان الإشاري باعتباره مددا سلوكيا يناسب تطلعات الواقع في خضم ما تمليه وظيفة الإصلاح والارتقاء بالقيم واستلهام مباديها إلى حد الإمتاح.

 

الهوامش:

 

(1) شرح حديث مقامات الدين للإمام أبي عبد الله محمد بن يوسف السنوسي التلمساني

ورقة 4   مخطوط خاص

(2) المعيار:2/481

(3) المعيار:2/483

(4) حقائق التفسير لأبي عبد الرحمان محمد بن الحسين بن موسى الأزدي السلمي

1/21

والحديث رواه ابن جرير في تفسيره (1/ 12) من نفس الطريق موصولا من حديث ابن مسعود بلفظ: " أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل حرف منها ظهر وبطن، ولكل حرف حدّ، ولكل حدّ مطلع"

قال الحافظ أحمد بن الصديق: والمبهم في هذا الإسناد هو ابن هذيل، بيّنه إسحاق بن راهويه، والحديث له طرق ويروى عن الحسن يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: " ما نزل من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن، ولكل حرف حدّ ولكل حد مطلع" قال: فقلت: يا أبا سعيد ما المطلع؟ قال: يطلع قوم يعملون به.

انظر: عواطف اللطائف من أحاديث عوارف المعارف، له: 1/ 46، 47

(5) الشيخ أحمد بن عجيبة ومنهجه في التفسير، د حسن عزوزي، 2/ 270 نقلا عن حاشيته على الجامع الصغير، 2/ 411

(6) تفسير البغوي: 25 وانظر، تعليق المظهري عليه في تفسير قوله تعالى: " وعلم آدم الأسماء كلها"

(7) السوانح، له: ص:120 مخطوط خاص

(8) تفسير الفاتحة الكبير: 7

(9) ـ أخرجه مسلم 4/ 1997 والترمذي 4/ 613 وغيرهما

(10) السوانح، 121

(11) مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني: 2/ 74

(12) المعيار: 12/ 327

(13) انظر، الإعلام بما أغفله العوام لابن عظوم التونسي: 63، وانظر، شرح رائية البوزيدي للشيخ أحمد بن عجيبة: 22، 23 مخطوط خاص

(14) البحر المديد: 2/ 75، 76

(15) مناهل العرفان: 2/ 73

(16) وقد أشرت إلى تفاصيل هذا الضابط في دراسة نشرت بمجلة الإحياء ع 32، 33.   تحت عنوان: لطائف الإشارات القرآنية ودور الضابط التجريدي في دركها: 193، 194 ..



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

كيف أبدع المغاربة في حفظ كتاب الله؟

كيف أبدع المغاربة في حفظ كتاب الله؟

إن تجربة دخول الكُتَّاب، حيث تعَلُّمُ مبادئ القراءة والكتابة، كانت إلى حين مما يُمْلِيه الواقع المغربي، مع تجذر في الوضع الذي كانت تحكمه عادات وتقاليد يؤطرها التشبعُ بروح الإسلام، ويشد من أزْرِها الحفاظُ على مبادئه ومقوماته بالشكل الذي يضمن له استمراِريتَهُ...

حوار الحق سبحانه مع ملائكته وإبليس: بعض الأصول والآداب

حوار الحق سبحانه مع ملائكته وإبليس: بعض الأصول والآداب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد أخذ الحوار أشكالًا متعددة في القرآن الكريم، فنجد حوار الله سبحانه وتعالى مع الملائكة، وحوار الله سبحانه وتعالى مع الرسل والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، وحوار الله سبحانه وتعالى مع إبليس، وحوار الله مع الأقوام عن طريق الرسل، وحوار الله مع الإنسان كإنسان...

القرآن والكون من منظور منهجية القرآن المعرفية

القرآن والكون من منظور منهجية القرآن المعرفية

 تقوم المنهجية المعرفية القرآنية على تأصيل المعرفة العلمية والإنسانية وتخليقها، وأول أهداف هذا التأصيل هو الكشف عن حقيقة النظام الكوني باعتباره المعادل الطبيعي للنص، وإبراز وحدة الحقيقة والتطابق بين الوحي والكون، فكل معرفة تتوافق مع قوانين الكون- التي تتوافق بدورها مع القرآن- هي معرفة قرآنية إسلامية بدلالة اللزوم.