ينبوع الحكمة

فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

 

       د. محمد المنتار
رئيس مركز الدراسات القرآنية

جاء الخطاب الرباني في قوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [ الأنعام 156 ] موضحا بعض خصائص القرآن الكريم، منها أنه كتاب، وأنه منزل من عند الله، وأنه مبارك، وهي صفات تعد من قبيل التمهيد المسهل لاستيعاب بعض المقاصد المرجوة من إنزال هذا الكتاب؛ وهي قصد الاتباع المولد للتقوى، المؤدية للرحمة. 


وتفريع الأمر باتباع القرآن الكريم على كونه منزلا من عند الله، وكونه مباركا، ظاهر لا يحتاج إلى كثير بيان؛ لأن ما كان كذلك لا يتردد أحد في اتباعه، وقد قُدم الوصف بالإنزال على الوصف بالبركة؛ لأنه آكد منه في هذا المقام، أضف إلى ذلك أن الكلام سيق في حق من ينكر رسالة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، وفي حق من ينكر إنزال الكتب الإلهية، كما أن الوصف بالفعل المسند إلى نون العظمة (أَنْزَلْنَاهُ) أولى من الوصف بالاسم لما يدل الإسناد إلى الله  تعالى من التعظيم والتشريف لشأن هذا المنزل. وقد ربطت الآية الكريمة حصول رحمة الله عز وجل بالاتباع لهذا الكتاب المنزل، مع مصاحبة التقوى وملازمتها نظرا وعمل لا اقتصارا على أحدهما (فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

ومقام آية سورة الأنعام يدل على أن هذا قول المتقولين عقب تنزيل الكتاب كان باعثا على إنزال هذا الكتاب؛ بمعنى أن إنزال الكتاب فيه حكم وغايات؛ منها حكمة قطع معذرتهم بأنهم لم ينزل إليهم كتاب يقول عز وجل: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ . أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ) [الأنعام 156-158]، ونظائر هذا في القرآن كثيرة منها قوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)[النساء 176]، وقوله عز وجل (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) [سورة ص: 180] وقوله جل وعلا (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [النحل 15]؛ أي لتجنب ميدها بكم، وغيرها من الآيات.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن

شرف الله القرآن الكريم، بخصائص وصفات ميزته على غيره من الكتب السماوية، من هذه الخصائص أن آياته وسوره نزلت منجمة ومفرقة على مراحل؛ مرة في اللوح المحفوظ، كما دل عليه قول الله سبحانه (بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ) [البروج 21-22]، والثانية في بيت العزة في السماء الدنيا كما دل عليها قوله تعالى سورة الدخان: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة)

بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ

بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ

لم يجمع الله عز وجل لأحد من الأنبياء والمرسلين، فضلا عن الناس أجمعين، اسمين من أسمائه إلا للنبي الخاتم صلى الله عليه وسلم الذي قال في حقه (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [سورة التوبة 128] فسماه سبحانه باسمين من أسمائه الحسنى ووصفه بصفتين..

الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ

الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ

من مظاهر تكريم الله سبحانه للإنسان تعليم هذا الانسان مالم يعلم (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [العلق:5] ومن كرمه سبحانه أن أودع في هذا الإنسان قابلية للتعلم والتعليم، بأن جعل له فؤاد وسمعا وبصرا (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) [الملك: 23]..