نصوص مختارة

جمالية الأسلوب القرآني
جمالية الأسلوب القرآني

 

يقول العلامة الألمعي الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1393هـ) في تفسيره "التحرير والتنوير" متحدثا عن جمالية الأسلوب القرآني وروعة ميزته وخصائصه عن كلام العرب  في إحدى مقدمات كتابه:  
«..نرى من أعظم الأساليب التي خالف بها القرآن أساليب العرب أنه جاء في نظمه بأسلوب جامع بين مقصديه وهما: مقصد الموعظة ومقصد التشريع، فكان نظمه يمنح بظاهره السامعين ما يحتاجون أن يعلموه وهو في هذا النوع يشبه خطبهم، وكان في مطاوي معانيه ما يستخرج منه العالم الخبير أحكاما كثيرة في التشريع والآداب وغيرها، وقد قال في الكلام على بعضه: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ [آل عمران: 7]. هذا من حيث ما لمعانيه من العموم والإيماء إلى العلل والمقاصد وغيرها. 
ومن أساليبه ما أسميه بالتفنّن؛ وهو بداعة تنقلاته من فن إلى فن بطرائق الاعتراض والتنظير والتذليل والإتيان بالمترادفات عند التكرير تجنبا لثقل تكرير الكلم، وكذلك الإكثار من أسلوب الالتفات المعدود من أعظم أساليب التفنن عند بلغاء العربية، فهو في القرآن كثير، ثم الرجوع إلى المقصود، فيكون السامعون في نشاط متجدد بسماعه وإقبالهم عليه، ومن أبدع أمثلة ذلك قوله: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون. أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير﴾ [البقرة: 17- 20]. 
بحيث كان أكثر أساليب القرآن من الأساليب البديعة العزيز مثلها في شعر العرب وفي نثر بلغائهم من الخطباء وأصحاب بَدائه الأجوبة. 
وفي هذا التفنن والتنقل مناسبات بين المنتقل منه والمنتقل إليه؛ هي في منتهى الرقة والبداعة، بحيث لا يشعر سامعه وقارئه بانتقاله إلا عند حصوله. وذلك التفنن مما يعين على استماع السامعين ويدفع سآمة الإطالة عنهم، فإن من أغراض القرآن استكثار أزمان قراءته كما قال تعالى: ﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل: 20]. فقوله: ﴿ما تيسر﴾ يقتضي الاستكثار بقدر التيسّر، وفي تناسب أقواله وتفنن أغراضه مجلبة لذلك التيسير وعون على التكثير».
المقدمة العاشرة من كتاب "التحرير والتنوير" للعلامة محمد الطاهر بن عاشور (1393هـ) (ص: 115 ـ 116) 
الناشر : دار سحنون للنشر والتوزيع- تونس
سنة النشر: 1984 هـ
عدد الأجزاء : 30 
إعداد: ذ.طه الراضي 

يقول العلامة الألمعي الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1393هـ) في تفسيره "التحرير والتنوير" متحدثا عن جمالية الأسلوب القرآني وروعة ميزته وخصائصه عن كلام العرب  في إحدى مقدمات كتابه: «..نرى من أعظم الأساليب التي خالف بها القرآن أساليب العرب أنه جاء في نظمه بأسلوب جامع بين مقصديه وهما: مقصد الموعظة ومقصد التشريع، فكان نظمه يمنح بظاهره السامعين ما يحتاجون أن يعلموه وهو في هذا النوع يشبه خطبهم، وكان في مطاوي معانيه ما يستخرج منه العالم الخبير أحكاما كثيرة في التشريع والآداب وغيرها، وقد قال في الكلام على بعضه: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ [آل عمران: 7].

هذا من حيث ما لمعانيه من العموم والإيماء إلى العلل والمقاصد وغيرها. ومن أساليبه ما أسميه بالتفنّن؛ وهو بداعة تنقلاته من فن إلى فن بطرائق الاعتراض والتنظير والتذليل والإتيان بالمترادفات عند التكرير تجنبا لثقل تكرير الكلم، وكذلك الإكثار من أسلوب الالتفات المعدود من أعظم أساليب التفنن عند بلغاء العربية، فهو في القرآن كثير، ثم الرجوع إلى المقصود، فيكون السامعون في نشاط متجدد بسماعه وإقبالهم عليه.

ومن أبدع أمثلة ذلك قوله: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون. أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير﴾ [البقرة: 17- 20]. بحيث كان أكثر أساليب القرآن من الأساليب البديعة العزيز مثلها في شعر العرب وفي نثر بلغائهم من الخطباء وأصحاب بَدائه الأجوبة. وفي هذا التفنن والتنقل مناسبات بين المنتقل منه والمنتقل إليه؛ هي في منتهى الرقة والبداعة، بحيث لا يشعر سامعه وقارئه بانتقاله إلا عند حصوله. وذلك التفنن مما يعين على استماع السامعين ويدفع سآمة الإطالة عنهم، فإن من أغراض القرآن استكثار أزمان قراءته كما قال تعالى: ﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن﴾ [المزمل: 20]. فقوله: ﴿ما تيسر﴾ يقتضي الاستكثار بقدر التيسّر، وفي تناسب أقواله وتفنن أغراضه مجلبة لذلك التيسير وعون على التكثير».


 من كتاب "التحرير والتنوير" للعلامة محمد الطاهر بن عاشور (ت1393هـ) المقدمة العاشرة (ص: 115 ـ 116) الناشر : دار سحنون للنشر والتوزيع- تونس سنة النشر: 1984 هـ عدد الأجزاء : 30 

انتقاء: ذ. طه الراضي
مركز الدراسات القرآنية



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ

وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ

قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) سورة آل عمران، الآية: 159.

كتب تفسير القرآن وحاجة العصر

كتب تفسير القرآن وحاجة العصر

يقول أحمد بن مصطفى المراغي (المتوفى: 1371هـ) في مقدمة تفسيره  المسمى «تفسير المراغي»:
 «فإنا لنشاهد في عصرنا الحاضر ميل الناس إلى التزيد في الثقافة الدينية، ولا سيما تفسير الكتاب الكريم والسنة النبوية، وكثيرا ما سئلت أىّ التفاسير أسهل منالا، وأجدى فائدة للقارئ في الزمن القليل؟ فكنت أقف واجما حائرا لا أجد جوابا عن سؤال السائل، علما منى بأن كتب التفسير على ما فيها من فوائد..

أمهات مآخذ التفسير

أمهات مآخذ  التفسير

يقول جمال الدين القاسمي (ت 1332هـ) في مقدمة تفسيره «محاسن التأويل»: للناظر في القرآن، لطلب التفسير، مآخذ كثيرة. أمهاتها أربعة: الأول: النقل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الطراز المعلم..