قراءات

دراسات في أصول تفسير القرآن
دراسات في أصول تفسير القرآن

إعداد: مصطفى اليربوعي

باحث بمركز الدراسات القرآنية

تمهيد:

«أصول التفسير» علم يدرس القواعد التي تضبط تفسير كلام الله تعالى وتعصمه من أن يكون عملا اعتباطيا خاضعا لأهواء الناس ومذاهبهم وبواعثهم الفكرية.

وسعيا من لدن بعض العلماء لتفادي المزالق التي وقع فيها المتعاملون مع القرآن الكريم فهما، وتفسيرا، واستنباطا، واستدلالا، قعدوا قواعدَ تفسيرِ كتاب الله تعالى، وأودعوها في مقدمات كتب التفسير، أو تعرضوا لها في ثنايا كتب العلوم الشرعية المختلفة كعلم أصول الفقه وعلوم القرآن.

إلا أنه لا يعلم مؤلف خاص بقواعد التفسير إلا في القرن الثامن الهجري لما ألف الطوفي (ت716هـ) كتابه: «الإكسير في قواعد التفسير»، وألف ابن تيمية (ت727هـ)كتابه الموسوم: «مقدمات في أصول التفسير»[1].

وتوالت المؤلفات في أصول التفسير مند ذلك الحين، مثل: «رسالة في أصول التفسير» للطف الله بن الشجاع الظفيري (ت1035هـ)، و«الفوز الكبير في أصول التفسير» للدهلوي (ت1176هـ)، و«مقدمة في أصول التفسير» ليوسف العاملي (ت1208هـ)، و«الإكسير في أصول التفسير» لمحمد صالح القنوجي (ت1307هـ)، و«أصول التفسير مجردا من النقاية» للسيوطي (ت911هـ) بشرح القاسمي (ت1332هـ)، و«التكميل في أصول التفسير» لعبد الحميد الفراهي (ت1349هـ).

ولقد ازداد الاهتمام بأصول التفسير في العصر الراهن، وأصبحت دراسة قواعد التفسير، ومناهجه، والبحث في المسائلِ الخادمة له علما مستقلا عن سائر العلوم الشرعية سمي: «علم أصول التفسير».

ومن الباحثين المعاصرين المهتمين بالبحث في «أصول التفسير» الدكتور محسن عبد الحميد: أستاذ مادة التفسير والعقيدة والفكر الإسلامي الحديث بجامعة بغداد، وأستاذ زائر في عدة جامعات عربية، فقد جمع في كتابه: «دراسات في أصول تفسير القرآن» -الذي طبع أول مرة عام 1979م- دراسات وموضوعات في أصول تفسير القرآن الكريم, وقواعده، ومناهجه، مقتبسة من المصادر الكثيرة القديمة والحديثة كما ذكر المؤلف في مقدمة الكتاب.

وأصول التفسير التي اعتنى بها المؤلف في هذا الكتاب هي:

* الأصول اللغوية المتمثلة في قواعد اللغة العربية الضامنة للفهم السليم للنصوص القرآنية المنزلة باللسان العربي.

* الأصول النقلية المتمثلة فيما يُستَنَدُ إليه مما هو منقول لتفسير كتاب الله تعالى، كالاستناد إلى آية لتفسير أخرى، أو إلى حديث أو قول صحابي.

* الأصول العقلية التي تتجسد في الاجتهاد في تفسير كلام الله تعالى.

وقد تناول المؤلف هذه الأصول في بابين، بالإضافة إلى مقدمة موجزة وتمهيد.

ففي مقدمة الكتاب بين الدكتور محسن عبد الحميد سبب تأليف الكتاب، وموضوعه، وعرض في التمهيد بإيجاز شديد لتطور تفسير القرآن خلال أربعة عشر قرنا بدءا من تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأتباعهم، وقد اتسم التفسير في هذه الفترة بالتركيز على بيان المقصود من الآيات بإيجاز دون استطراد وإطناب، ثم تطور التفسير مع تعاقب الأجيال فظهرت أشكال من التفاسير بظهور المذاهب الفقهية، والعقدية، والسياسية...فبزغت في التفسير اتجاهان كبيران:

* اتجاه استند في تفسيره لكتاب الله تعالى إلى البيان المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، وهو الاتجاه المعروف ب«التفسير بالمأثور».

* واتجاه اعتمد على اجتهاده في التفسير، وهو الاتجاه المعروف ب«التفسير بالرأي»، الذي يميَّزُ فيه بين التفسير بالرأي المحمود، وهو المنضبط بالقواعد اللغوية والشرعية، والتفسير بالرأي المذموم، وهو المعتمد على هوى المفسر، وأغراضه الشخصية، ورأيه المجرد من ضوابط تفسير القرآن الكريم بعيدا عن خدمة مقاصد القرآن، وبيان هديه.

وأما الباب الأول من الكتاب فيتمحور حول «الأصول اللغوية لتفسير القرآن».

ويتكون هذا الباب من خمسة فصول، أُفرِد الفصل الأول منها للحديث عن التفسير اللغوي، وأهمية معرفة اللغة العربية في تفسير القرآن الكريم، وقد بين المؤلف هذه الأهمية بإيراد أمثلةٍ للتفاسير اللغوية للصحابة وأبرزهم ابن عباس رضي الله عنه، كما أدرج بعضَ الأمثلة للوهنات التي وقعت فيها بعض التفاسير بسبب الأخطاء اللغوية.

وفي نفس السياق ذكر الكاتب المباحث اللغوية التي يجب أن يتقنها المفسر لكلام الله تعالى، مثل: أشعار العرب، وآدابهم، والتعمق في النحو، والصرف، ونظم الكلام وسياقه.

وأما الفصول الأربعة المتبقية من هذا الباب فقد ضمّنها المؤلف القواعد اللغوية اللازمة لتفسير النصوص الشرعية، وهي: وضع الألفاظ للمعاني من عموم وخصوص، وما يتعلق به من ذكر صيغ العموم وأنواعه، والمخصصات وأنواعها، والأمر والنهي وما يرتبط بهما من ذكر حقيقتهما وصيغهما، والمطلق والمقيد، والمشترك والمؤوّل، واستعمال الألفاظ للمعاني من حقيقة ومجاز، وصريح وكناية، ودلالات حروف المعاني، وظهور المعنى وخفائه من ظاهر ونص، ومحكم وخفي ومشكل، ومجمل ومتشابه، كما عرج على البيان وأنواعه، وكيفية دلالات الألفاظ على المعاني من منطوق ومفهوم، وعبارة وإشارة، ونص واقتضاء، مع التمييز بين التقسيم الحنفي وتقسيم الجمهور لهذه الدلالات.

وإذا كانت اللغة شرطا لتفسير القرآن الكريم كما قرَّر المؤلف، فالسؤال المثار هل يجوز تفسير القرآن بمقتضى اللغة.[2]

فإذا نظرنا إلى نشأة تفسير القرآن في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة يتبين أن التفسير اللغويّ هو الغالب؛ لأن الصحابة أهل اللغة والفصاحة والبيان. يقول أبو عبيدة في مقدّمة كتابه «مجاز القرآن» : «فلم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي صلّى الله عليه وسلم أن يسألوا عن معانيه؛ لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه، وعما فيه مما فى كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص. وفى القرآن مثل ما فى الكلام العربي من وجوه الإعراب، ومن الغريب، والمعاني»[3].

ولم يكن الصحابة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم تفسير كل آيات القرآن، وإنما يلتجئون إليه لفهم ما أشكل عليهم وهو قليل.

وأما معرفة أسباب النزول فأكثر القرآن نزل ابتداء كما قال العلماء، وأما الآيات التي نزلت لسبب، فإن الصحابة شاهدوا أسبابها، وما خفي منها عن بعضهم بينه آخرون.[4]

فاللغة العربية هي الأساس لتفسير كلام الله تعالى، فإذا حصَّلَ المرءُ علومَ اللغةِ بمختلف علومها من نحو وصرف، وبلاغة...فقد حصَّلَ حظا وافرا من العلم اللازم لتفسير كلام الله تعالى، ولم يبق له إلا تحصيل التفسير النبوي، وأسباب النزول. [5]

والصحيح منهما قليل، وأما تفسير الصحابة فلا تخرج عن هذه الأمور: فهي إما تفاسير لغوية وهي الكثيرة، وإما روايات للتفسير النبوي، أو لأسباب النزول.

والمباحث اللغوية التي اعتبرها المؤلف أصولا لغوية لتفسير كتاب الله تعالى هي نفسها المباحث التي يوردها الأصوليون في مبحث الدلالة في كتب أصول الفقه، فقد أورد المؤلف هذه المباحث الأصولية بأمثلتها وبنقاشات الأصوليين لها والردود بينهم في مسائلها دون أن يبين ما يخدم من هذه المباحث بشكل مباشر تفسيرَ القرآنِ، باعتباره يحرِّر كتابا في أصول التفسير، لا في أصول الفقه المعني بقواعد الاستنباط من الشرع عموما، علاوة على أن أصول الفقه يركز على ما له تعلق بالأحكام خاصة، والتفسير أو سع من ذلك.

وأما الباب الثاني من الكتاب فقد تناول ما سماه المؤلف «الأصول النقلية والعقلية للتفسير»، وذلك في خمسة فصول.

تطرق الفصل الأول إلى الأصول النقلية التي حصرها المؤلف في: القرآنِ، والسنة، وتفسير الصحابة.

فأما القرآن فيتجسد كونه أصلا للتفسير في القاعدة الجليلة: «تفسير القرآن بالقرآن»؛ لأن القرآن وحدة متكاملة، بعضه مبيِّن لبعضه، وأُورِدُ فيما يلي الصور التي أوردها المؤلف لتفسير القرآن بالقرآن مجردة عن الأمثلة:

* تفسير آية بأخرى مماثلة.

* تفسير آية بقراءة أخرى لها.

* تفسير آية للإشكال الواقع في آية أخرى.

* تفسير آية بجمع الآيات الأخرى الواردة في موضوعها.

* تفسير الآيات الناسخة للآيات المنسوخة. فالآيات الناسخة تبين أن الآيات السابقة المعارضة لها في المعنى منسوخة، إذ النسخ نوع من البيان؛ لأنه بيان ارتفاع الأمر المنسوخ، وبيان إثبات الأمر الناسخ.

* تفسير العام من الآيات بالخاص منها.

* تفسير المطلق من الآيات بالمقيد منها.

* تفسير المجمل من الآيات بالمبين منها.

وأما السنة باعتبارها الأصل الثاني للتفسير، فقد ذكر المؤلف حجيتها، وأتى ببعض النماذج لتفسير السنة للقرآن، منبِّها على أن التفسيرَ بالمأثور يشمل أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وتقريراته؛ لأن كل فعلٍ نبوي اقترن به دليل على أنه قُصِدَ به بيانُ خطابٍ سابقٍ فإنه قائم مقام قوله في بيان المجمل وتخصيص العموم وتقييد المطلق من الكتاب.

وقد بين المؤلف صور تفسير السنة للقرآن، كالآتي:

- تخصيص عموم القرآن.[6]

-  نسخ القرآن بالسنة المتواترة على رأي الجمهور. والنسخ كما مر في «أصل القرآن» نوع من البيان، إذ السنة الناسخة تبين أن الحكم الذي جاءت به الآية منسوخ.  

ولم يفت الكاتب أن ينبه على أمر مهم يتعلق باعتماد السنة في تفسير القرآن، وهو الروايات الموضوعة في التفسير، فقد اعترت كثيرا من كتب التفسير رواياتٌ ضعيفةٌ وموضوعةٌ حتى قال الإمام أحمد: «ثلاثة لا أصل لها: المغازي، والملاحم والتفسير»، فيجب على المتعامل مع كتب التفسير، ومن يريد أن يعتمد السنة في التفسير أن يحذر من المرويات الموضوعة، ويختار التفاسير المعروفة بتحري الصحة.

وأما الأصل الثالث من الأصول النقلية للتفسير، فهو تفسير الصحابة الذي اعتبره المؤلف مصدرا معتمَدا في تفسير كلام الله تعالى؛ وذلك لأنهم أعلم الناس بتفسير كلام الله، لنزول القرآن بلغتهم ومعاشرتهم الرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواكبتهم نزول القرآن عليه، ورأووا وقائعه.

ومن المعلومات التي أدرجها الكاتب في هذا الأصل، يمكن صوغُ قواعد تخص اعتماد تفسير الصحابة في التفسير، وذلك كالآتي:

* إجماعُ الصحابة على تفسير معين حجةٌ.

* إذا تعارضت أقوال جماعة من الصحابة، فإن أمكن الجمع بينها فذاك، وإن تعذر يؤخذ بالمستند منها إلى أقوى الأدلة.

* تفسير الصحابة له حكم المرفوع في المسائل النقلية الصرفة التي لا مجال للاجتهاد فيها، وخاصة ما يتعلق بأسباب النزول، ما عدا ما يتعلق بقصص الأمم السابقة فلا يأخذ حكم المرفوع؛ لأنه ثبت أنهم يروون عن أهل الكتاب.

وأما الفصل الثاني من هذا الباب وعنوانه: «التفسير العقلي وضوابطه»، فلم يعرض فيه المؤلفُ الأصولَ العقلية للتفسير على غرار عرضه للأصول النقلية، وإنما تحدث عن التفسير العقلي وضوابطه محدّدا المقصود بالتفسير العقلي في الاجتهاد في التفسير، وأكد أن العلماء والمحققين أولوا قيمة كبيرة للعقل، وحثوا على النظر في القرآن، واستنباط أسراره ومعانيه، إلا أنهم اشترطوا التقيد بالقواعد الأصولية للتفسير العقلي المتمثلة فيما يلي:

* طلب المعنى من كتاب الله؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضا، فإن لم يجده المفسر طلبه من السنة الصحيحة؛ لأنها مبينة للقرآن، فإن أعجزه رجع إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بكتاب الله وأعلم بمعانيه.

* مطابقة التفسير للمفسَّر من غير نقص لما يحتاج إليه في إيضاح المعنى، ولا زيادة لا تليق بالغرض، ولا تناسب المقام، مع الاحتراز من الزيغ عن المعنى والعدول عن المراد.

* التمييز بين المعنى الحقيقي والمجازي، فلعلّ المراد هو المعنى المجازي، فيحمل الكلام على الحقيقة أو العكس.

* مراعاة أسباب النزول.

* مراعاة التأليف، والغرض الذي سيق له الكلام.

* اعتبار التناسب بين الآيات.

* مراعاة الجوانب اللغوية.

* معرفة الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين.

* الاطلاع على المباحث الأصولية والكلامية والفقهية المتعلقة بالآية المفسَّرَةِ.

والملاحظ على ما أورده المؤلف من القواعد الضابطة للتفسير العقلي:

* أنها لا تضبط التفسير العقلي فقط، وإنما هي ضوابط للعملية التفسيرية برمتها، سواء أكان مستندها العقل أو النقل.

* من خلال القاعدة الأولى أرجع الكاتب التفسير العقلي إلى التفسير النقلي، لما أدرج تفسير القرآن بالقرآن، أو بالسنة، أوبأقوال الصحابة في الأصول النقلية للتفسير، ثم عاد فأدرجها ضمن ضوابط التفسير العقلي، مما يفهم أن الأصول العقلية للتفسير هي ذاتها الأصول النقلية، وهذا لا يستقيم مع تقسيمه أصول التفسير إلى أصول نقلية وأصول عقلية.

فاعتبار تفسير القرآن بالقرآن أو بالسنة أو باللغة تفسيرا نقليا محضا غير دقيق-في نظري-؛ لأن العملية التفسيرية الصحيحة بصفة عامة لا تصح ممارستها إلا بالاعتماد على النقل والعقل معا، فالتفسير عملية عقلية اجتهادية مؤسسة على أصول نقلية وعقلية معا لاعتبارين:

أحدهما: أن الأصول التي اعتبرها الكاتب أصولا نقلية لا تدل بشكل مباشر على معاني الآيات باستثناء تفسير النبي صلى الله عليه الصريح وهو قليل، أو تفسير الصحابة، فالمفسر هو الذي يجتهد للوصول إلى معاني الآيات اعتمادا على هذه الأصول.

ثانيهما: أن العقل هو الذي يعتمد الأصول النقلية في التفسير، ويجتهد في اختيار الأصول النقلية الصحيحة والمناسبة لتفسير آية معية؛ ومن ثم فالتفسير بالمنقول هو أيضا عمل اجتهادي.

 فلو استبعدنا تقسيم أصول التفسير إلى أصول نقلية وأصول عقلية، فيمكن القول: إن قواعد أصول التفسير العقلي التي ذكرها المؤلف هي ضوابط التفسير سواء أكان نقليا أو عقليا إن صح هذا التمييز.

ومن أنماط التفسير ما يعرف في العصر الحديث بالتفسير العلمي، وهو الذي خصص له المؤلف الفصل الثالث من هذا الباب، مشيرا إلى أن الإمام أبا حامد الغزالي كان السباق إلى هذا الاتجاه في كتابه «جواهر القرآن»، وتبعه الرازي في تفسيره «مفاتح الغيب». وثبت للكاتب أن الغزاليَّ والرازيَّ وغيرَهما لم يدّعوا أن جزئيات الرياضيات والطبيعيات والطب والفلك موجودة في القرآن، وإنما دَعَوا إلى الاستعانة بنتائج هذه العلوم القائمة على الاستقراء العلمي في فهم الآيات التي تُلفِت نظرنا إلى القوانين العامة كي توصلنا إلى المعرفة العميقة، وتنور قلوبنا بنور الإيمان. وقد استمر هذا الاتجاه بعد الرازي فقبله العلماء كما تدل على ذلك أقوالهم[7]، رغم وجود بعض علماء معارضين لهذه الفكرة كالإمام الشاطبي الذي خطّأ من فسر القرآن بغير معهود العرب في لغتهم، وبما لم يجرِ على مذاهبهم في الخطاب، ولم يناسب مستواهم العلمي؛ لأنهم المخاطبون الأولون به، علاوة على أن السلف كانوا أعرف بعلومه، ولم يبلغنا أن أحدا منهم فسر القرآن بما يعرف بالحقائق العلمية.[8]

وقد انتقد ابن عاشور رأي الشاطبي المعارض لتفسير القرآن بغير معهود العرب في خطابهم، مبينا وهنه من ستة وجوه، خلاصتها أن القرآن الكريم لم يرسل إلى العرب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وإنما أنزل إلى الناس كافة في جميع الأزمان والأماكن، وهذا يقتضي أن يراعي القرآن مستويات عقول الناس وأفهامهم في مختلف العصور، فيستنبط منه كل أهل عصر ما لم يستنبطه أهل عصر آخر، فلا يصح حصر معاني القرآن، والاستمداد منه فيما فهمه أهل عصر واحد، وهو المعجزة الخالدة، الذي لا تنقضي عجائبه.[9]

والاستعانة بالعلوم العقلية، وبما وصل إليه التقدم العلمي من الاكتشافات لا يعارض –في نظري- المعاني التي فهمه العرب من القرآن، وإنما هي معان إضافية، واجتهادات لبيان الإشارات القرآنية إلى أسرار الله وبدائع صنعه في ملكوته مما فهمه المتقدمون جملة، وعرفوا بعض تفاصيله، مما هو مشاهد لديهم لقصور الإمكانيات المتوفرة في زمنهم عن اكتشاف الأسرار الكونية والحقائق العلمية التي تضمنها القرآن، وتزداد المعرفة بهذه الأسرار تتسع مع توالي العصور وتطور الأدوات، حتى وصل هذا العصر المتميز بالتقدم العلمي الهائل الذي نعيشه اليوم، ولا زالت الاكتشافات تتسع، والعلم يتطور.

والحاصل، أن المعاني الأساسية للقرآن الكريم الهادفة إلى هداية الخلق معروفة في كل العصور؛ لأن القرآن رسالة إلى الناس جميعا، وأما تفاصيلها فقد يفتح الله منها للمتأخرين ما لم يفتح للمتقدمين بسبب ما يشهد العالم من تقدم علمي وتطور فكري الذي هو سنة الله في الخلق، ولن تجد لسنة الله تبديلا والله أعلم.

ولقد نما الاتجاه العلمي في التفسير في العصور الأخيرة، وظهرت مؤلفات مستقلة أودع فيها أصحابها ما توصل إليه العصر من علوم ومعارف، منها:

- تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري.

-  مجموعة التفاسير العلمية التي نشرها الدكتور محمد أحمد الغمراوي في بعض المجلات المصرية.

-  تفسير الآيات الكونية للأستاذ حنفي أحمد.

ولقد رأى الكاتب أن الاستناد إلى الأمور العلمية في التفسير صحيح في عمومه بشرط وضع أساس صحيح له مستند إلى القواعد العامة في التفسير ضمن الخط العام للآيات القرآنية التي تتحدث على المسائل الكونية والعلمية.

وقد حدد المؤلف هذه القواعد العامة للتفسير العلمي انطلاقا مما استفاده مما أورد الدكتور الغمراوي وحنفي في كتابيهما -المذكورين سابقا- فيما يلي:

* عدم مخالفة القواعد اللغوية الواضحة.

* استنباط القضايا العلمية من صريح النص، أو من إشاراته القوية الواضحة.

* عدم تفسير القرآن إلا بالحقائق العلمية لا بالنظريات والاحتمالات العلمية.

* جمع جميع الآيات الواردة في الموضوع المبحوث فيه.

* عدم التوغل في التفاصيل والاستطرادات الذي يخرج عمل المفسر عن دائرة التفسير.

ولما كان التعارض يتراءى في بعض ظواهر نصوص القرآن فمن صميم عمل المفسرين أن يرفعوا هذا التعارض المتوهم، لذلك خصَّصَ المؤلف الفصل الرابع من الباب الثاني للتعارض والترجيح بين نصوص القرآن الكريم، مبينا أن التعارض الحقيقي بين النصوص الشرعية غير ثابت في الشريعة إلا في حالة النسخ؛ لأنها من عليم حكيم. وأما التعارض الذي يبدو لأول وهلة فهو تعارض ظاهري يرفع باتباع الطرق العلمية، والقواعد التي وضعها العلماء لذلك، وقد ذكر المؤلف من هذه القواعد:

* تقديم الحُكم بالآية المدنية على الآية المكية في التخصيص والتقديم.

* ترجيح الظاهر المستقل بحكمه على الظاهر المقتضي لفظا يزاد عليه عند المعارضة والترتيب.

* تقديم حمل كل واحد من العمومين على ظاهرهما على تخصيص كل واحد منهما بالآخر.

* ترجيح ما يعلم بالخطاب ضرورة على ما يعلم منه ظاهرا.

* تقديم العام الذي لم يخصص على العام الذي قد خصص.

* تقديم العام الذي لم يرد على سبب على العام الوارد على سبب.

* تقديم الحقيقة على المجاز.

وأما التوفيق بين الآيات واستعمال كل آية في محلها الخاص، فقد ذكر المؤلف بعض نماذجه كالآتي:

*الجمع بين كليين إذا كان له اعتباران في الحقيقة موضحا هذه القاعدة بالآيات الواردة في مدح الدنيا، والآيات الواردة في ذمها.

* استثناء الأقل معاني من الأكثر معاني.

وبما أن ما أدرجه المؤلف من القواعد المتعلقة بالتعارض والترجيح بين النصوص القرآنية هي القواعد التي يوردها الأصوليون في باب التعارض والترجيح، بدون أن ينتق منها مايخدم بشكل مباشر تفسير القرآن الكريم، فإنه لم يمثل لهذه القواعد كلِّها بالأمثلة القرآنية، وإنما سرد قواعد التعارض والترجيح كما هي في كتب أصول الفقه، مع التمثيل لبعضها بالآيات القرآنية، واستطرد في ذكر التعاريف الأصولية لمصطلح النص والتعارض، وأدلة جواز الترجيح، ونفي التعارض الحقيقي بين النصوص الشرعية، والقواعد العامة للترجيح بين النصوص عند الأصوليين، وغير ذلك من أسس موضوع التعارض والترجيح في كتب أصول الفقه.

وحاصل التصور الذي قدمه الدكتور محسن عبد الحميد عن أصول التفسير في هذا الكتاب هو أن تفسير كلام الله تعالى يستفاد من الأصول الآتية:

* الأصول اللغوية التي تتمثل في القواعد اللغوية المدروسة في علم أصول الفقه لفهم الخطاب الشرعي.

* الأصول النقلية التي هي: القرآن والسنة وتفسير الصحابة.

* الأصول العقلية، وهي: التفسير بالرأي والاجتهاد.

والذي يتصح من مضامين هذا الكتاب أنه يندرج ضمن المؤلفات في أصول التفسير التي اعتَبَرت أصولَ التفسيرِ جزءا من علم أصول الفقه، حيث إن أغلب ما أدرجه الدكتور محسن عبد الحميد في هذا الكتاب هي مباحث أصولية متعلقة بقواعد فهم النصوص الشرعية (القرآنية والحديثية)، واستنباط الأحكام منها، وهذا الاتجاه كما قال الدكتور مساعد الطيار «لم تتضح عنده إلا مسائل أصول الفقه فجعلها هي أصول التفسير والأمر ليس كذلك»[10]؛ لأن أصول الفقه يدرس النصوص الشرعية المتعلقة بالأحكام الشرعية لا ستنباط الأحكام الفقهية منها، وأما علم أصول التفسير فهو مهتم بفهم النصوص القرآنية خاصة سواء دلت على أحكام أم أخبار.

فمؤلف هذا الكتاب جعل أصول التفسير تطبيقات لأصول الفقه، ورتبها ترتيبا خاصا.

فرغم هذه الملاحظات على ما قدمه الدكتور محسن عبد الحميد في هذا الكتاب من المسائل التي اعتبرها أصولا للتفسير وخادمة له، وعلى كيفية تناولها مما أشرت إلى ما بدا لي منها، فإن هذا الكتاب يعد مرحلة من مراحل بناء الجانب النظري لعلم التفسير، وهو علم أصول التفسير، وهي مرحلة تجميع مباحثه المتفرقة من مصادر العلوم المختلفة في كتاب واحد يلم بمسائل هذا العلم، ويعرضها بأسلوب واضح لتقريبها إلى الطلبة، وعموم المهتمين، وهو هدف المؤلف في هذا الكتاب كما صرح في مقدمته، وليس غرضه تحرير مباحث علم أصول التفسير، وإحكام بنيانه، والإحاصة بكل مسائله، وإنما عمله عبارة عن دراسات في أصول التفسير، وفَرْقٌ بين التأليف في علم أصول التفسير، وإعداد دراسات في أصول التفسير.

والباحث مشكور على هذا العمل العلمي لقلة الاهتمام بأصول التفسير، وتقعيد قواعده كما صرح بذلك العديد من العلماء والمتخصصين، فقد تبين أنه إلى حدود القرن الثامن لم يلق هذا العلم الاهتمام الذي يستحقه كما يدل على ذلك قول الطوفي (تـ716هـ)  في الإكسير: «إنه لم يزل يتلجلج في صدري إشكال علم التفسير وما أطبق عليه أصحاب التفاسير، ولم أجد أحدا منهم كشفه في ما ألفه ولا نحاه فيما نحاه، فتقاضتني النفس الطالبة للتحقيق الناكبة عن جمر الطريق لوضع قانون يعول عليه ويصار في هذا الفن إليه»[11].

وأكد هذا الأمر الباحثون المتخصصون في القرن الرابع الهجري ، ومنهم الدكتور محسن عبد الحميد نفسه في مقدمة هذا الكتاب.

------------------------------------------------------------------------------------------------------

الهوامش: 

[1] حسبما توصل إليه الدكتور مساعد الطيار في بحثه: «جهود الأمة في أصول تفسير القرآن الكريم»، الذي شارك به في مؤتمر جهود الأمة في خذمة القرآن الكريم وعلومه بمدينة فاس في المملكة المغربية،ج3، ص1579.

[2] وخصوصا وقد صُنِّفَت تفاسير لغوية منذ القرون الأولى، مثل: «معاني القرآن» للفراء (تـ 207هـ)، و«مجاز القرآن» لأبي عبيدة (تـ 213هـ)، و«معاني القرآن» للزجاج (تـ 311هـ)، و«تلخيص البيان في مجاز القرآن» للشريف الراضي (تـ 406هـ).

[3] مجاز القرآن، أبو عبيدة، 1، 8.

[4] كبيان عائشةِ لعُروة بن الزبير سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 158) مصححة له فهمه الخاطئ للآية.

[5] وما يتعلق بها من معرفة المقدم والمؤخر من الآية المتعارضة من أجل معرفة الناسخ منها من المنسوخ.

[6] إذ من المعلوم أن في القرآن عمومات كثيرة خصصتها السنة النبوية، فقد اتفق العلماء كلهم على أن السنة المتواثرة تخصِّصُ القرآن، وأما أحاديث الآحاد، فالجمهور على أنها تخصص القرآن.

[7] كقول الزركشي في البرهان: «ومن هذا الوجه كل من كان حظه في العلوم أوفر كان نصيبه من علم القرآن أكثر»، ج2، ص25 .

[8] أنظر الموافقات للشاطبي، ج2، ص 127.

[9] أنظر التحرير والتنوير لابن عاشور، ج1، 45.

[10] بحث «جهود الأمة في أصول تفسير القرآن الكريم» مرجع مذكور، ج3، ص1607.

[11] الإكسير في علم التفسير للطوفي، تحقيق: عبد القادر حسين، القاهرة: مكتبة الآداب، ص27.

 

المراجع:

- المرجع الرئيس: دراسات في أصول تفسير القرآن للدكتور محسن عبد الحميد، نشر وتوزيع: دارالثقافة بالدار البيضاء، ط2، 1404هـ - 1984هـ.

- الإكسير في علم التفسير للطوفي، تحقيق: عبد القادر حسين، مكتبة الآداب بالقاهرة.

- البرهان في علوم القرآن للزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه، ط1، 1376 هـ - 1957 م.

- بحوث مؤتمر خذمة القرآن الكريم وعلومه المنظم بمدينة فاس في المملكة المغربية أيام 14-15-18 أبريل 2011م، الناشر: مركز الدراسات القرآنية التابع للرابطة المحمدية للعلماء، ط1، 1013.

- التحرير والتنوير لابن عاشور، الناشر : الدار التونسية للنشر بتونس، 1984 هـ.

- مجاز القرآن لأبي عبيدة، تحقيق: محمد فواد سزگين، الناشر: مكتبة الخانجى بالقاهرة، 1381 هـ.

- الموافقات الشاطبي، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: دار ابن عفان، ط1، 1417هـ/ 1997م.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

القراءات الحداثية للقرآن الكريم ومناهج نقد الكتاب المقدس: دراسة تحليلية نقدية

القراءات الحداثية للقرآن الكريم ومناهج نقد الكتاب المقدس: دراسة تحليلية نقدية

صدر كتاب «القراءات الحداثية للقرآن الكريم ومناهج نقد الكتاب المقدس: دراسة تحليلية»، للدكتور يوسف الكلاَّم، ـ أستاذ مقارنة الأديان في مؤسسة دار الحديث الحسنية بالرباط، عن مجلة البيان، 1434هـ، في 95 صفحة، والكتاب يتألف من مقدمة، ومدخل، وأربعة عناوين رئيسة، ثم خاتمة.

مفهوم الترتيل: النظرية والمنهج

مفهوم الترتيل: النظرية والمنهج

مفهوم الترتيل في القرآن الكريم: النظرية والمنهج" (2007) للدكتور أحمد عبادي محاولة منهجية دقيقة للكشف عن مفهوم قرآني أُنُفٍ لم ينل حظه الكافي من الدراسة والتنقيب، طمرته البداهة فحجبت مدلولاته خطيرة الأبعاد، واسعة المهاد...

قراءة في كتاب: "أَيَّامٌ في حَيَاةِ الرَّعيلِ الأَوَّل"

قراءة في كتاب: "أَيَّامٌ في حَيَاةِ الرَّعيلِ الأَوَّل"

صدر حديثا عن دار القلم دمشق، كتاب: "أَيَّامٌ في حَيَاةِ الرَّعيلِ الأَوَّل" في طبعته الأولى 1434 هـ - 2013م (304: صفحة)، لمؤلِفه الأستاذ المستشار الدكتور فاروق محمود حمادة، أستاذ السُّنُّة وعُلُومها بكلية الأداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس- الرباط، والمستشار في ديوان سمو ولي العهد أبو ظبي.