أعلام القرن الخامس الهجري

أبو المطرّف ابن فُطَيس القرطبي المالكي (ت402 هـ)
أبو المطرّف ابن فُطَيس القرطبي المالكي (ت402 هـ)

هو الإمام، الحافظ، الثبت، ذو الفنون، العلامة الوزير قاضي الجماعة بقرطبة، أبو مطرّف عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فُطَيس ـ لقب له واسم في ولد له ـ بن أصبَغْ بن فطيس بن سليمان، القرطبي المالكي.

ولد سنة ثمانٍ وأربعين وثلاث مائة بقرطبة وبها نشأ، وترعرع، وفي الغالب أخذ المبادئ الأولية في التعلم والقراءة والكتابة بقرطبة، إذ لم تشر مصادر ترجمته إلى ذلك، لكنها أشارت إلى سماعه وروايته عن كثير من شيوخ عصره من الأندلس والقادمين إليها، وممن روى عنهم: الفقيه أبو عيسى الليثي (ت367 هـ) ، والحافظ الكبير أبو زكرياء بن عائذ الأندلسي (ت376 هـ)، والمقرئ المفسر أبو الحسن علي بن محمد الأنطاكي (ت377هـ) ، و الشيخُ المحدِّث الإمام الرّحَّال أحمد بن عون الله الأندلسي (ت378 هـ)، والحافظ، محدث الأندلس أبو محمد ابن الباجي الأندلسي(378هـ)، وأبو عبد الله بن مفرج القرطبي القاضي(ت380 هـ)، محدث الأندلس، والإمام الحافظ المجوّد أبو محمد عبد الله بن القاسم القلعي(ت383 هـ)، والمحدث الفقيه أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي(ت392هـ)، والحافظ أبو القاسم خلف بن القاسم الأندلسي(ت393هـ) ، قال ابن بشكوال في الصلة: «سمع الحديث منهم وكتبه عنهم، وتكرر عليهم، ووالى الاختلاف إليهم».

وكانت بينه وبين علماء من مكة وبغداد ومصر والقيروان مكاتبات، فمن المشرق كتب إليه: أبو يعقوب بن الدخيل، ومن مصر أبو الحسن ابن رشيق، وأبو القاسم الجوهري، ومن بغداد: أبو الطيب أحمد بن سليمان الحريري، وأبو الحسن علي بن عمر الدارقطني، وأبو بكر الأبهري، ومن القيروان: أبو محمد بن أبي زيد الفقيه، وأبو أحمد بن نصر الداودي.

كان القاضي ابن فطيس من كبار المحدثين وصدور العلماء المسندين، حافظاً للحديث متقناً لعلومه، جمع من الكتب في أنواع العلم ما لم يجمعه أحد من أهل عصره بالأندلس، وله مشاركة في سائر العلوم، إلا أنه برع في الحديث دراية ورواية، إذ كان له مجلس يملي فيه الحديث من حفظه، وستة وراقين يكتبون عنه ما يمليه في المسجد، كما كان مولعا بابتياع الكتب واستنساخها، ولما توفي اجتمع أهل قرطبة لبيع كتبه فأقاموا في بيعها مدة عام كامل في المسجد.

تقلد قضاء الجماعة سنة أربع وتسعين وثلاثمائة، وخُطبَة الجمعة، وَهُوَ أحد الأعاظم من وزراء السُّلْطَان فِي أحد الْبيُوت المولوية الَّتِي انْتهى إِلَيْهَا الشّرف أيام المظفر عبد الملك بن أبي عامر، وقلَّ ما اجْتمع ذَلِك لقاض قبله بالأندلس، ثم صرف عن القضاء وخطبة الجمعة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، وقد اشتهر في أحكامه بالصلابة في الحق ونصرة المظلوم، قال أبو عمر ابن الحذاء: «كان من أبناء الدنيا فلما وليَ القضاء ترك زي الوزارة ولزم زياً أخضرا كزي الفقهاء».

حدث عنه كبار العلماء منهم أبو عمر بن عبد البر، وأبو عبد الله بن عائذ، والصاحبان وابن أبيض، وسراج القاضي، وأبو عمر بن سميق، وأبو عمر الطلمنكي، وحاتم بن محمد، وأبو عمر الحذاء، والخولاني، وأبو حفص الزهراوي وغيرهم.

خلّف القاضي ابن فطيس رحمه تراثا علميا زاخرا، في عدة فنون منها: كتابه «الناسخ والمنسوخ» و«أسباب النزول» و«القصص» و«المصابيح في فضائل الصحابة» و«فضائل التابعين» و«الإخوة من المحدثين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المخالفين» و«أعلام النبوة ودلالات الرسالة» و«كرامات الصالحين ومعجزاتهم»، و»مسند حديث محمد بن فطيس« و«مسند قاسم بن أصبغ العوالي» وغير ذلك من تواليفه.

جعله القاضي عياض «من مشاهير علماء القرطبيين وجلتهم وفضلائهم»، وقال في حقه ابن بشكوال: «من جهابذة المحدثين، وكبار العلماء والمسندين»، وقال أيضا الذهبي: «كان من جهابذة المحدثين، وكبار العلماء والحفاظ، عارفا بالرجال».

توفي القاضي ابن فطيس رحمه الله، أوائل الفتنة البربرية يوم الثلاثاء للنصف من ذي القعدة سنة اثنتين وأربع مائة، ودفن في اليوم المذكور بتربة سلفه على باب منازلهم وقرب مسجدهم، وصلى عليه ابنه أبو عبد الله محمد.

 

من إنجاز: ذ. محمد لحمادي

باحث بمركز الدراسات القرآنية

 

مصادر ترجمته:  ترتيب المدارك وتقريب المسالك (7/181ـ183)، والصلة في تاريخ أئمة الأندلس لابن بشكوال (ص: 298 ـ 300)، وبغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس (ص: 356) وطبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي الدمشقي (3/258 ـ 260)، وتاريخ الإسلام للذهبي (9/44) وتذكرة الحفاظ للذهبي (3/175) وسير أعلام النبلاء للذهبي (13/22) والوافي بالوفيات للصفدي (18/153) والمرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا لابن الحسن الجذامي (ص: 87).



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

الباغائي المقرئ المالكي (ت401هـ)

الباغائي المقرئ المالكي (ت401هـ)

هو أحمد بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الربّعي أبو العباس الباغائي ثم القرطبي، المقرئ، الحافظ، الفقيه المالكي،  يكنى أبا العباس.
ولد بباغاية ـ مدينة بأقصى إفريقية بين مجَّانة وقسطينية الهواء ـ في سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، وفي الغالب أخذ المبادئ الأولية في التعلم والقراءة والكتابة ببغاية؛ إذ لم تشر مصادر ترجمته إلى بداية طلبه العلم، أو شيوخه الذين أخذ عنهم ببلده، ..

أَبُو طَاهِر الصّقليّ (تـ455هـ)

أَبُو طَاهِر الصّقليّ  (تـ455هـ)

إِسْمَاعِيل بن خلف بن سعيد بن عمرَان أَبُو طَاهِر الصّقليّ، الأندلسي، السَّرقسْطِي، ثم المصري، الْمُقْرِئ النَّحْوِيّ كَانَ إِمَامًا فِي عُلُوم الْآدَاب متقناً لفن الْقرَاءَات، وعمدة النَّاس فِي الِاشْتِغَال بِهَذَا الْفَنّ عَلَيْهِ، وتصدر للإقراء زمانا، ولتعليم العربية، وكان رأسا في ذلك.

أبو الوليد الباجي (تـ447هـ)

أبو الوليد الباجي (تـ447هـ)

هو سُلَيْمَان بن خلف بن سعد بن أَيُّوب بن وَارِث الإِمَام أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّالْفَقِيه الأصولي الْمُتَكَلّم الْمُفَسّر الأديب الشَّاعِر، أصله من بطليوس ومولده في باجة بالأندلس فِي شهر ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة.

هسُلَيْمَان بن خلف بن سعد بن أَيُّوب بن وَارِث الإِمَام أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ
الْفَقِيه الأصولي الْمُتَكَلّم الْمُفَسّر الأديب الشَّاعِر، أصله من بطليوس ومولده في باجة بالأندلس فِي شهر ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة.